الصفحة 150 من 204

(الخَامِسُ) تَعَلُّقُهَا بِهِ يَوْمَ بَعْثِ الأَجْسَادِ وَهُوَ أَكْمَلُ أَنْوَاعِ تَعَلُّقِهَا بِالبَدَنِ وَلا نِسْبَةَ لِمَا قَبْلَهُ مِن أَنْوَاعِ التَّعَلُّقِ إِلَيْهِ إِذْ هُوَ تَعَلُّقٌ لا يَقْبَلُ البَدَنُ مَعَهُ موتًا وَلا نومًا وَلا فسادًا.

وَمَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا: أَنَّ المَيِّتَ إِذَا مَاتَ يَكُونُ فِي نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ وَأنَّ ذَلكَ يَحْصُلُ لرُوحِهِ وَبَدَنِهِ وَأَنَّ الرُّوحَ تَبْقَى بَعْدَ مُفَارَقَةِ البَدَنِ مُنْعَّمَةً أَوْ مُعَذَّبَةً وَأَنَّهَا تَتَّصِلُ بِالبَدَنِ أحيانًا وَيَحْصُلُ لهُ مَعَهَا النَّعِيمُ أَوِ العَذَابُ ثُمَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ الكُبْرَى أُعِيدَتِ الأَرْوَاحُ إِلَى أَجْسَادِهَا وَقَامُوا مِن قُبُورِهِمْ لرَبِّ العَالَمِينَ، وَمَعَادُ الأَبْدَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ المُسْلمِينَ وَاليَهُودِ وَالنَّصَارَى.

وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ عَذَابَ القَبْرِ هُوَ عَذَابُ البَرْزَخِ فَكُلُّ مَن مَاتَ وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ للْعَذَابِ نَالَهُ نَصِيبُهُ مِنْهُ، قُبِرَ أَوْ لمْ يُقْبَرْ فَلَوْ أَكَلَتْهُ السِّبَاعُ أَوْ أُحْرِقَ حَتَّى صَارَ رَمَادًا وَنُسِفَ فِي الهَوَاءِ أَوْ صُلِبَ أَوْ غَرِقَ فِي البَحْرِ وَصَلَ إِلَى رُوحِهِ وَبَدَنِهِ مِن العَذَابِ مَا يَصِلُ إِلَى القُبُورِ

وَالرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لمْ يُخْبِرُوا بِمَا تُحِيلُهُ العُقُولُ وَتَقْطَعُ بِاسْتِحَالَتِهِ بَلْ إِخْبَارُهُمْ قِسْمَانِ:

(أَحَدُهُمَا) : مَا تَشْهَدُ بِهِ العُقُولُ وَالفِطَرُ.

(الثَّانِي) : مَا لا تُدْرِكُهُ بِمَجَرَّدِهَا كَالغُيُوبِ الَّتِي أَخْبَرُوا بِهَا عَن تَفَاصِيلِ البَرْزَخِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَتَفَاصِيلِ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ. وَلا يَكُونُ خَبَرُهُمْ مُحَالًا فِي العُقُولِ أصلًا. وَكُلُّ خَبَرٍ يُظَنُّ أَنَّ العُقُولَ تُحِيلُهُ فَلا يَخْلُو مِن أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الخَبَرُ كذبًا عَلَيْهِمْ أَوْ يَكُونَ ذَلكَ القَوْلُ فاسدًا وَهُوَ شُبْهَةٌ خَيَاليَّةٌ يَظُنُّ صَاحِبُهَا أَنَّهَا مَعْقُولٌ صَرِيحٌ فَيَجِبُ أَنْ يُفْهَمَ عَن الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَادُهُ مِن غَيْرِ غُلُوٍّ وَلا تَقْصِيرٍ فَلا يُحَمَّلْ كَلامُهُ مَا لا يَحْتَمِلُهُ وَلا يَقْصُرُ بِهِ عَن مُرَادِهِ، وَمَا قَصَدَهُ مِن الهُدَى وَالبَيَانِ.

وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الدُّورَ ثلاثًا: دَارُ الدُّنْيَا وَدَارُ البَرْزَخِ وَدَارُ القَرَارِ وَجَعَلَ لكُلِّ دَارٍ أحكامًا تَخُصُّهَا. وَرُكِّبَ هَذَا الإِنْسَانُ مِن بَدَنٍ وَنَفْسٍ وَجَعَلَ أَحْكَامَ الدُّنْيَا عَلَى الأَبْدَانِ وَالأَرْوَاحِ تبعًا لهَا.

وَلِهَذَا جَعَلَ أَحْكَامَهُ الشَّرْعِيَّةَ مُرَتَّبَةً عَلَى مَا يَظْهَرُ مِن حَرَكَاتِ اللسَانِ وَالجَوَارِحِ وَإِنْ أَضْمَرَتِ النُّفُوسُ خِلافَهُ. وَجَعَلَ أَحْكَامَ البَرْزَخِ عَلَى الأَرْوَاحِ وَالأَبْدَانِ تبعًا لهَا فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ عِنْدَ بَعْثِ الأَجْسَادِ وَقِيَامِ النَّاسِ مِن قُبُورِهِمْ لرَبِّ العَالَمِينَ صَارَ النَّعِيمُ وَالعَذَابُ عَلَى الأَرْوَاحِ وَالأَجْسَامِ جميعًا. وَأَعْجَبُ مِن ذَلكَ أَنَّكَ تَجِدُ القَائِمِينَ فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا رُوحُهُ فِي النَّعِيمِ وَيَسْتَيْقِظُ وَأَثَرُ النَّعِيمِ عَلَى بَدَنِهِ، وَهَذَا رُوحُهُ فِي العَذَابِ وَيَسْتَيْقِظُ وَأَثَرُ العَذَابِ عَلَى بَدَنِهِ وَلَيْسَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا خَبَرٌ بِمَا عِنْدَ الآخِرِ فَأَمْرُ البَرْزَخِ أَعْجَبُ مِن ذَلكَ

وَالعَذَابُ فِي القَبْرِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ دَائِمٌ كَمَا فِي قَوْلهِ تَعَالَى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} وَفِي حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ البُخَارِيِّ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ يَفْعَلُ بِهِ وَذَلكَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت