الصفحة 151 من 204

وَفِي حَدِيثِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي قِصَّةِ الكَافِرِ:"ثُمَّ يُفْتَحُ لهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ فَيَنْظُرُ إِلَى مَقْعَدِهِ فِيهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ". رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ:"ثُمَّ يُخْرَقُ لهُ خَرْقٌ إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ مِن غَمِّهَا وَدُخَانِهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ".

(النَّوْعُ الثَّانِي) إِلَى مُدَّةٍ ثُمَّ يَنْقَطِعُ، وَهُوَ عَذَابُ بَعْضِ العُصَاةِ الذين خَفَّتْ جَرَائِمُهمْ فَيُعَذَّبُ بِحَسَبِ جُرْمِهِ ثُمَّ يُخَفَّفُ عَنْهُ كَمَا يُعَذَّبُ فِي النَّارِ مُدَّةً ثُمَّ يَزُولُ عَنْهُ العَذَابُ.

وَقَدْ يَنْقَطِعُ عَنْهُ العَذَابُ بِدُعَاءٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوِ اسْتِغْفَارٍ أَوْ ثَوَابِ حَجٍّ أَوْ قِرَاءَةٍ تَصِلُ إِلَيْهِ مِن بَعْضِ أَقَارِبِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ.

وَاخْتُلِفَ فِي مُسْتَقَرِّ الأَرْوَاحِ مَا بَيْنَ المَوْتِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ وَالرَّاجِحُ فِي ذَلكَ أَنَّ الأَرْوَاحَ مُتَفَاوِتَةٌ فِي مُسْتَقَرِّهَا فِي البَرْزَخِ أَعْظُمَ تَفَاوُتٍ. فَمِنْهَا: أَرْوَاحٌ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ فِي المَلَأِ الأَعْلَى وَهِيَ أَرْوَاحُ الأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي مَنَازِلهِمْ أَعْظَمَ تَفَاوُتٍ كَمَا رَآهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليْلَةَ الإِسْرَاءِ (وَمِنْهَا) أَرْوَاحٌ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ وَهِيَ أَرْوَاحُ بَعْضِ الشُّهَدَاءِ لا جَمِيعِهِمْ، بَلْ مِن الشُّهَدَاءِ مَن تُحْبَسُ رُوحُهُ عَن دُخُولِ الجَنَّةِ لدَيْنٍ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِهِ. كَمَا فِي المُسْنَدِ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ:"أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: الجَنَّةُ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: إِلاَّ الدَّيْنَ سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا". (وَمِنْهُمْ) مَن يَكُونُ محبوسًا عَلَى بَابِ الجَنَّةِ كَمَا فِي الحَدِيثِ الآخَرِ:"رَأَيْتُ صَاحِبَكُمْ مَحْبُوسًا عَلَى بَابِ الجَنَّةِ" (وَمِنْهُمْ) مَن يَكُونُ محبوسًا فِي قَبْرِهِ كَحَدِيثِ صَاحِبِ الشَّمْلَةِ الَّتِي غَلَّهَا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي غَلَّهَا لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا فِي قَبْرِهِ" (وَمِنْهُمْ) مَن يَكُونُ مَقَرُّهُ بَابَ الجَنَّةِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهْرِ بَابِ الجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنَ الجَنَّةِ غَدْوَةً وَعَشِيًا"رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَهَذَا بِخِلافِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالبٍ حَيْثُ أَبْدَلَهُ اللَّهُ مِن يَدَيْهِ بِجَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الجَنَّةِ حَيْثُ يَشَاءُ.

(وَمِنْهُمْ) مَن يَكُونُ محبوسًا فِي الأَرْضِ لمْ تَعْلُ رُوحُهُ إِلَى المَلأِ الأَعْلَى فَإِنَّهَا كَانَتْ رُوحًا سُفْليَّةً.

(وَمِنْهَا) أَرْوَاحٌ فِي تَنُّورٍ الزُّنَاةُ وَالزَّانِي. وَأَرْوَاحٌ فِي نَهْرِ الدَّمِ تَسْبَحُ فِيهِ وَتُلْقَمُ الحِجَارَةَ فَلَيْسَ للأَرْوَاحِ سَعِيدِهَا وَشَقِيِّهَا مُسْتَقِرٌّ وَاحِدٌ بَلْ رُوحٌ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَرُوحٌ أَرْضِيَّةٌ سُفْليَّةٌ لا تَصْعَدُ عَن الأَرْضِ.

"وَالحَيَاةُ الَّتِي امْتَازَ بِهَا الشَّهِيدُ هِيَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ - يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ - جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الجَنَّةِ وَتَأْكُلُ مِن ثِمَارِهَا وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُظَلَّلَةٍ فِي العَرْشِ". الحَدِيثُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ بِمَعْنَاهُ مُسْلمٌ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُمْ لمَّا بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ للَّهِ حَتَّى أَتْلَفَهَا أَعْدَاؤُهُ فِيهِ أَعَاضَهُمْ مِنْهَا أبدانًا خيرًا مِنْهَا تَكُونُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَيَكُونُ نَعِيمُهَا بِوَاسِطَةِ تِلْكَ الأَبْدَانِ أَكْمَلَ مِن نَعِيمِ الأَرْوَاحِ المُجَرَّدَةِ عَنْهَا. وَلِهَذَا كَانَتْ نَسَمَةُ المُؤْمِنِ فِي صُورَةِ طَيْرٍ أَوْ كَطَيْرٍ. وَنَسَمَةُ الشَّهِيدِ فِي جَوْفِ طَيْرٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت