فهرس الكتاب
وَتَأَمَّلْ لفْظَ الحَدِيثَيْنِ فَإِنَّهُ قَالَ:"نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَيْرٌ"فَهَذَا يَعُمُّ الشَّهِيدَ وَغَيْرَهُ. ثُمَّ خَصَّ الشَّهِيدَ بِأَنْ قَالَ:"هِيَ فِي جَوْفِ طَيْرٍ"وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ صَدَقَ عَلَيْهَا أَنَّهَا طَيْرٌ، فَنَصِيبُهُمْ مِن هَذَا النَّعِيمِ فِي البَرْزَخِ أَكْمَلُ مِن نَصِيبِ غَيْرِهِمْ مِن الأَمْوَاتِ عَلَى فُرُشِهِمْ، وَإِنْ كَانَ المَيِّتُ عَلَى فِرَاشِهِ أَعْلَى دَرَجَةً مِن كَثِيرٍ مِنْهُمْ فَلَهُ نَعِيمٌ يَخْتَصُّ بِهِ لا يُشَارِكُهُ فِيهِ مَن هُوَ دُونَهُ.
"وَأَجْمَعَتِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أَنَّ الرُّوحَ مُحَدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ مَصْنُوعَةٌ مَرْبُوبَةٌ مُدَبَّرَةٌ، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالاضْطِرَارِ مِن دِينِهِمْ كَمَا يُعْلَمُ بِالاضْطِرَارِ مِن دِينِهِمْ أَنَّ العَالَمَ حَادِثٌ وَأَنَّ مَعَادَ الأَبْدَانِ وَاقِعٌ، وَأَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ الخَالِقُ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ لهُ. وَقَدْ انْطَوَى عَصْرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ وَهُمُ القُرُونُ المُفَضَّلَةُ عَلَى ذَلكَ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ بَيْنَهُمْ فِي حُدُوثِهَا وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ حَتَّى نَبَغَتْ نَابِغَةٌ مِمَّنْ قَصَرَ فَهْمُهُ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حَتَّى زَعَمَ أَنَّهَا قَدِيمَةٌ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، قَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: رُوحُ الآدَمِيِّ مَخْلُوقَةٌ مُبْدَعَةٌ بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ: وَقَدْ حَكَى إِجْمَاعَ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن أَئِمَّةِ المُسْلمِينَ."
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ مُخَالِفٌ بِالمَاهِيَّةِ لِهَذَا الجِسْمِ المَحْسُوسِ وَهُوَ جِسْمٌ نُورَانِيٌّ عُلْوِيٌّ خَفِيفٌ مُتَحَرِّكٌ يَنْفُذُ فِي جَوْهَرِ الأَعْضَاءِ وَيَسْرِي فِيهَا سَرَيَانَ المَاءِ فِي الوَرْدِ، وَالدُّهْنِ فِي الزَّيْتُونِ، وَالنَّارِ فِي الفَحْمِ. فَمَا دَامَتْ هَذِهِ الأَعْضَاءُ صَالحَةٌ لقَبُولِ الآثَارِ الفَائِضَةِ عَلَيْهَا مِن هَذَا الجِسْمِ اللَّطِيفِ بَقِيَ ذَلكَ الجِسْمُ اللَّطِيفُ مُشَابِكًا لهَذِهِ الأَعْضَاءِ وَأَفَادَهَا هَذِهِ الآثَارُ مِن الحِسِّ وَالحَرَكَةِ الإِرَادِيَّةِ، فَإِذَا فَسَدَتْ هَذِهِ الأَعْضَاءُ بِسَبَبِ اسْتِيلاَءِ الأَخْلاَطِ الغَليظَةِ عَلَيْهَا وَخَرَجَتْ عَن قَبُولِ تِلْكَ الآثَارِ فَارَقَ الرُّوحَ البَدَنُ وَانْفَصَلَ إِلَى عَالَمِ الأَرْوَاحِ.
وَهَذَا القَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ وَهُوَ الذي يَدُلُّ عَلَيْهِ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَأَدِلَّةُ العَقْلِ وَالفِطْرَةِ.
وَهَلْ تُمُوتُ الرُّوحُ؟ الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: مَوْتُ النُّفُوسِ هُوَ مُفَارَقَتُهَا لأَجْسَادِهَا وَخُرُوجُهَا مِنْهَا فَإِنْ أُرِيدَ بِمَوْتِهَا هَذَا القَدْرُ فَهِيَ ذَائِقَةُ المَوْتِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهَا تَعْدَمُ وَتَفْنَى بِالكُلِّيَّةِ فَهِيَ لا تَمُوتُ بِهَذَا الاعْتِبَارِ بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ بَعْدَ قَبْضِهَا فِي نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَه أنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لا يَمُوتُونَ وَلا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إِلا المَوْتَةَ الأُولَى وَتِلْكَ المَوْتَةُ هِيَ مُفَارَقَةُ الأَرْوَاحِ للْجَسَدِ، وَصَعْقُ الأَرْوَاحِ عِنْدَ النَّفْخِ فِي الصُّوَرِ لا يَلْزَمُ مِنْهُ مَوْتُهَا فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِذَا جَاءَ اللَّهُ لِفَصْلِ القَضَاءِ وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا، وَلَيْسَ ذَلكَ بِمَوْتٍ وَكَذَلكَ صَعْقَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ لمْ يَكُنْ مَوْتًا وَالذي يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ نَفْخَةَ الصَّعْقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَوْتُ كُلِّ مَنْ لمْ يَذُقِ المَوْتَ قَبْلَهَا مِن الخَلائِقِ. وَأَمَّا مَن ذَاقَ المَوْتَ أَوْ لمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ المَوْتُ مِن الحُورِ وَالوِلْدَانِ وَغَيْرِهِمْ فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلَى أَنَّهُ يَمُوتُ مَوْتَةً ثَانِيَةً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* القيامة الكبرى *
ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ الفِتْنَةِ إِمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا عَذَابٌ، إِلَى أَنْ تَقُومَ القِيَامَةُ الكُبْرَى، فُتعادُ الأَرْوَاحُ إِلَى الأَجْسَادِ.