الصفحة 153 من 204

وَتَقُومُ القِيَامَةُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ بِهَا فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لسَانِ رَسُولِهِ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهَا المُسْلمُونَ.

فَيَقُومُ النَّاسُ مِن قُبُورِهِمْ لِرَبِّ العَالَمِينَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، وَيُلْجِمُهُمُ العَرَقُ.

الإِيمَانُ بِالمَعَادِ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالعَقْلُ وَالفِطْرَةُ السَّليمَةُ فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ وَأَقَامَ الدَّليلَ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَى المُنْكِرِينَ فِي غَالبِ سُوَرِ القُرْآنِ. وَذَلكَ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى الإِيمَانِ بِاللَّهِ فَإِنَّ الإِقْرَارَ بِالرَّبِّ عَامٌّ فِي بَنِي آدَمَ وَهُوَ فِطْرِيٌّ كُلُّهمْ يُقِرُّ بِالرَّبِّ إِلا مَن عَانَدَ كَفِرْعَوْنَ بِخِلافِ الإِيمَانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ فَإِنَّ مُنْكِرِيهِ كَثِيرُونَ. وَلَمَّا كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ قَدْ بُعِثَ هُوَ وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَهُوَ الحَاشِرُ المُقَفَّى بَيْنَ تَفَاصِيلِ الآخِرَةِ بَيَانًا لا يُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِن كُتُبِ الأَنْبِيَاءِ؛ وَلِهَذَا ظَنَّ طَائِفَةٌ مِن المُتَفَلْسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ أَنَّهُ لمْ يُفْصِحْ بِمَعَادِ الأَبْدَانِ إِلا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلُوا هَذَا حُجَّةً لهُمْ أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّخْيِيلِ وَالخِطَابِ الجُمْهُورِيِّ، وَالقُرْآنُ بَيَّنَ مَعَادَ النَّفْسِ عِنْدَ المَوْتِ وَمَعَادَ الأَبْدَانِ عِنْدَ القِيَامَةِ الكُبْرَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَهَؤُلاءِ يُنْكِرُونَ القِيَامَةَ الكُبْرَى وَيُنْكِرُونَ مَعَادَ الأَبْدَانِ وَيَقُولُ مَن يَقُولُ مِنْهُمْ: إِنَّهُ لمْ يُخْبِرْ بِهِ إِلا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى طَرِيقِ التَّخْيِيلِ.

وَهَذَا كَذِبٌ فَإِنَّ القِيَامَةَ الكُبْرَى مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الأَنْبِيَاءِ مِن آدَمَ إِلَى نُوحٍ إِلَى إِبْرَاهِيمَ إِلَى مُوسَى وَعِيسَى وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَن أَهْلِ النَّارِ أَنَّهُمْ إِذَا سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُل مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِينَ} وَهَذَا اعْتِرَافٌ مِن أَصْنَافِ الكُفَّارِ الدَّاخِلينَ جَهَنَّمَ أَنَّ الرُّسُلَ أَنْذَرَتْهُمْ لقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا، فَجَمِيعُ المُرْسَلينَ أَنْذَرُوا بِمَا أَنْذَرَ بِهِ خَاتَمُهُمْ مِن عُقُوبَاتِ المُذْنِبِينَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَعَامَّةُ سُوَرِ القُرْآنِ الَّتِي فِيهَا الوَعْدُ وَالوَعِيدُ يُذْكَرُ ذَلكَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى المَعَادِ فَقَالَ (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الغَيْبِ) الآيَاتِ وَقَالَ: {وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} وَقَالَ: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} وَأَخْبَرَ عَن اقْتِرَابِهَا فَقَالَ: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ} {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} وَذَمَّ المُكَذِّبِينَ للْمَعَادِ فَقَالَ: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا} وَقَالَ: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى} .

وَالقَوْلُ الذي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَجُمْهُورُ العُقَلاءِ أَنَّ الأَجْسَامَ تَنْتَقِلُ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ فَتَسْتَحِيلُ تُرابًا ثُمَّ يُنْشِئُهَا اللَّهُ نَشَأَةً أخْرَى كَمَا اسْتَحَالَ فِي النَّشْأَةِ الأُولَى فَإِنَّهُ كَانَ نُطْفَةً ثُمَّ صَارَ عَلَقَةً ثُمَّ صَارَ عظامًا ولحمًا ثُمَّ أَنْشَأَهُ اللَّهُ خَلْقًا سَوِيًّا، كَذَلكَ الإِعَادَةُ يُعِيدُهُ اللَّهُ بَعْدَ أَنْ يَبْلَى كُلُّه إِلا عَجْبُ الذَّنْبِ الذي مِنْهُ خُلِقَ ابْنُ آدَمَ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ:"إِنَّ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت