الصفحة 154 من 204

السَّمَاءَ تُمْطِرُ مَنِيًّا كَمَنِيِّ الرِّجَالِ فَيَنْبُتُونَ فِي القُبُورِ كَمَا يَنْبُتُ النَّبَاتُ فَالنَّشْئَتَانِ نَوْعَانِ تَحْتَ جِنْسٍ يَتَّفِقَانِ وَيَتَمَاثَلاَنِ مِن وَجْهٍ وَيَفْتَرِقَانِ وَيَتَنَوَّعَانِ مِن وَجْهٍ، وَالمَعَادُ هُوَ الأَوَّلُ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ لوَازِمِ الإِعَادَةِ وَلَوَازِمِ البُدَاءَةِ فَرْقٌ، فَعَجْبُ الذَّنْبِ هُوَ الذي يَبْقَى، وَأَمَّا سَائِرُهُ فَيَسْتَحِيلُ فَيُعَادُ مِن المَادَّةِ الَّتِي اسْتَحَالَ إِلَيْهَا، وَمَعْلُومٌ: أَنَّ مَن رَأَى شَخْصًا وَهُوَ صَغِيرٌ ثُمَّ رَآهُ وَقَدْ صَارَ شَيْخًا عَلِمَ أَنَّ هَذَا هُوَ ذَاكَ مَعَ أَنَّهُ دائمًا فِي تَحَلُّلٍ وَاسْتِحَالَةٍ، وَكَذَلكَ سَائِرُ الحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ فَمَنْ رَأَى شَجَرَةً وَهِيَ صَغِيرَةٌ ثُمَّ رَآهَا وَهِيَ كَبِيرَةٌ قَالَ: هَذِهِ تِلْكَ وَلَيْسَتْ صِفَةُ النَّشْأَةِ الثَّانِيَةِ مُمَاثِلَةً لصِفَةِ هَذِهِ النَّشْأَةِ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ الصِّفَاتِ هِيَ المُغَيِّرَةُ لا سِيَّمَا أَهْلُ الجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا فَإِنَّهُمْ يَدْخُلُونَهَا عَلَى صُورَةِ آدَمَ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا. كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَرُوِيَ أَنَّ عَرْضَهُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ وَتِلْكَ نَشْأَةٌ بَاقِيَةٌ غَيْرُ مُعَرِّضَةٍ للآفَاتِ، وَهَذِهِ النَّشْأَةُ فَانِيَةٌ مُعَرَّضَةٌ للآفَاتِ.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أذُنَيْهِ". وَفِيهِمَا عَن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا قَالَتْ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ الأَمْرَ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمُّهُمْ ذَاكَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَقَالَ:"إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} الآيَةَ الحَدِيثَ، وَرَوَى مُسْلمٌ عَن المِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ العِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قَدْرَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ قَالَ فَتَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ فَيَكُونُونَ فِي العَرَقِ كَقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى عَقِبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حَقْوَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ إلْجَامًا". قَوْلُهُ:"إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا"ً. الحُفَاةُ جَمْعُ حَافٍ وَهُوَ مَنْ لا نَعْلَ لهُ وَلا خُفَّ. وَالعُرَاةُ جَمْعُ عَارٍ وَهُوَ مَن لا ثِيَابَ عَلَيْهِ"وغُرْلا"ً بِضَمِّ المُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ جَمْعُ أَغْرَلَ وَهُوَ الأَقْلَفُ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ وَهُوَ مَنْ بَقِيَتْ غُرْلَتُهُ وَهِيَ الجِلْدَةُ الَّتِي يَقْطَعُهَا الخَاتِنُ مِنَ الذَّكَرِ.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ". قَوْلُهُ يُلْجِمُهُمُ العَرَقُ - أَيْ يَصِلُ إِلَى أَفْوَاهِهِمْ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ اللِّجَامِ يَمْنَعُهُمْ مِن الكَلامِ قَالَهُ ابْنُ الأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ.

وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ: ظَاهِرُ الحَدِيثِ تَعْمِيمُ النَّاسِ بِذَلِكَ وَلَكِنْ دَلَّتِ الأَحَادِيثُ الأُخْرَى عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالبَعْضِ وَهُمُ الأَكْثَرُ وَيُسْتَثْنَى الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ وَمَن شَاءَ اللَّهُ فَأَشَدُّهُمْ فِي العَرَقِ الكَفَّارُ ثُمَّ أَصْحَابُ الكَبَائِرِ ثُمَّ مَن بَعْدَهُمْ، وَالمُسْلمُونَ مِنْهُمْ قَليلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الكُفَّارِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي بَعْثِ النَّارِ. وَمَن تَأَمَّلَ الحَالَةَ المَذْكُورَةَ عَرَفَ عِظَمَ الهَوْلِ فِيهَا وَذَلكَ أَنَّ النَّارَ تَحُفُّ بِأَرْضِ المَوْقِفِ وَتُدْنَى الشَّمْسُ مِنَ الرءُوسِ قَدْرَ مِيلٍ. فَكَيْفَ تَكُونُ حَرَارَةُ تِلْكَ الأَرْضِ؟ وَمَاذَا يَرْوِيهَا مِنَ العَرَقِ حَتَّى يَبْلُغَ مِنْهَا سَبْعِينَ ذِرَاعًا مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لا يَجِدُ إِلا مَوْضِعَ قَدَمِهِ فَكَيْفَ تَكُونُ حَالَةُ هَؤُلاءِ فِي عَرَقِهِمْ مَعَ تَنَوُّعِهِمْ فِيهِ. إِنَّ هَذَا لَمِمًّا يُبْهِرُ العُقُولَ، وَيَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ القُدْرَةِ، وَيَقْتَضِي الإِيمَانَ بِأُمُورِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت