فهرس الكتاب
الآخِرَةِ، وَأَنْ ليْسَ للْعَقْلِ فِيهَا مَجَالٌ وَلا يَعْتَرِضُ عَلَيْهَا بِعَقْلٍ وَلا قِيَاسٍ وَلا عَادَةٍ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالقَبُولِ وَيَدْخُلُ تَحْتَ الإِيمَانِ بِالغَيْبِ، وَمَن تَوَقَّفَ عِندَ ذَلكَ دَلَّ عَلَى خُسْرَانِهِ وَحِرْمَانِهِ، وَفَائِدَةُ الإِخْبَارِ بِذَلكَ أَنْ يَتَنَبَّهَ السَّامِعُ فَيَأْخُذَ فِي الأَسْبَابِ الَّتِي تُخَلِّصُهُ مِن تِلْكَ الأَهْوَالِ وَيُبَادِرَ إِلَى التَّوْبَةِ مِن التَّبَعَاتِ وَيَلْجَأَ إِلَى الكَرِيمِ الوَهَّابِ فِي عَوْنِهِ عَلَى أَسْبَابِ السَّلامَةِ وَيَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ فِي سَلامَتِهِ مِن دَارِ الهَوَانِ وَإِدْخَالِهِ دَارَ الكَرَامَةِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
* ميزان الأعمال *
وَتُنْصَبُ المَوَازِيْنُ، فَتُوزَنُ بِهَا أَعْمَالُ العِبَادِ، {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِيْنُهُ فأُؤُلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} . قَالَ تَعَالَى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} وَقَالَ: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ} .
"وَالمَوَازِينُ جَمْعُ مِيزَانٍ وَأَصْلُهُ مِوْزاَنٌ فَقُلَبَتِ الوَاوُ يَاءً لكَسْرَةِ مَا قَبْلَهَا واختُلِفَ في ذِكْرِه هنا بلَفْظِ الجَمْعِ. هلِ المُرادُ أنَّ لكلِّ شخصٍ ميزانًا أو لكلِّ عَمَلٍ ميزانٌ فيكونُ الجَمْعُ حَقِيقَةً، أَوْ ليْسَ هُنَاكَ إِلا مِيزَانٌ وَاحِدٌ وَالجَمْعُ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الأَعْمَالِ أَوِ الأَشْخَاصِ؟ وَيَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الأَعْمَالِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الجَمْعُ للتَّفْخِيمِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ} مَعَ أَنَّهُ لمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ إِلا وَاحِدٌ. وَالذي يَتَرَجَّحُ أَنَّهُ مِيزَانٌ وَاحِدٌ. وَلا يُشْكِلُ بِكَثْرَةِ مَن يُوزَنُ عَمَلُهُ لأَنَّ أَحْوَالَ القِيَامَةِ لا تُكَيَّفُ بِأَحْوَالِ الدُّنْيَا. وَحَكَى حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ عَن أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ ردًّا عَلَى مَن أَنْكَرَ المِيزَانَ مَا مَعْنَاهُ: قَالَ تَعَالَى: {وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ ليَوْمِ القِيَامَةِ} وَذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المِيزَانَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَنْ رَدَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ رَدَّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَخَصَّ مِمَّنْ يُحَاسَبُ وَتُوزَنُ أَعْمَالُهُمْ طَائِفَتَانِ: فَمِن الكَفَّارِ مَن لا ذَنْبَ لهُ إِلا الكُفْرُ وَلَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي النَّارِ مِن غَيْرِ حِسَابٍ وَلا مِيزَانٍ , وَمِن المُؤْمِنِينَ مَن لا سَيِّئَةَ لهُ وَلَهُ حَسَنَاتٌ كَثِيرَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَحْضِ الإِيمَانِ فَهَذَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. كَمَا فِي قِصَّةِ السَّبْعِينَ ألفًا وَمَن شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُلْحِقَهُ بِهِمْ وَهُمُ الذينَ يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ كَالبَرْقِ الخَاطِفِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِدِ الخَيْلِ وَمَن عَدَا هَذَيْنِ مِن الكُفَّارِ وَالمُؤْمِنِينَ يُحَاسَبُونَ وَتُعْرَضُ أَعْمَالُهُمْ عَلَى المَوَازِينِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى الإِيمَانِ بِالمِيزَانِ وَأَنَّ أَعْمَالَ العِبَادِ تُوزَنُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَنَّ المِيزَانَ لهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ وَيَمِيلُ بِالأَعْمَالِ، وَأَنْكَرَتِ المُعْتَزِلَةُ المِيزَانَ وَقَالُوا: هُوَ عِبَارَةٌ عَن العَدْلِ فَخَالَفُوا الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ لأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَضَعُ المُوَازِينَ لوَزْنِ الأَعْمَالِ ليَرَى العِبَادُ أَعْمَالَهُمْ مُمَثَّلَةً فَيَكُونُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ شَاهِدِينَ."
وَالحَقُّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الأَعْمَالَ حِينَئِذٍ تُجَسَّدُ أَوْ تُجْعَلُ فِي أَجْسَامٍ فَتَصِيرُ أَعْمَالُ الطَّائِعِينَ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ وَأَعْمَالُ المُسِيئِينَ فِي صُورَةٍ قَبِيحَةٍ ثُمَّ تُوزَنُ. وَرَجَّحَ القُرْطُبِيُّ أَنَّ الذي يُوزَنُ الصَّحَائِفُ الَّتِي تُكْتَبُ فِيهَا الأَعْمَالُ.