فهرس الكتاب
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الأَعْمَالَ هِيَ الَّتِي تُوزَنُ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، عَن أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"مَا يُوضَعُ فِي المِيزَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ أَثْقَلُ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ"وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ:"تُوضَعُ المَوَازِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَتُوزَنُ الحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ مِثَقَالَ حَبَّةٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ. وَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ دَخَلَ النَّارَ. قِيلَ فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؟ قَالَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الأَعْرَافِ. أَخْرَجَهُ خَيْثَمَةُ فِي فَوَائِدِهِ , وَقَالَ البَغْوَيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قِيلَ: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ وَالمِيزَانُ وَاحِدٌ؟ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لفْظُهُ جَمْعًا وَمَعْنَاهُ واحدًا كَقَوْلهِ (يَأَيُّهَا الرُّسُلُ) وَقِيلَ لكُلِّ عَبْدٍ مِيزَانٌ، وَقِيلَ الأَصْلُ مِيزَانٌ وَاحِدٌ عَظِيمٌ. وَلكُلِّ عَبْدٍ فِيهِ مِيزَانٌ مُعَلَّقٌ بِهِ. وَقِيلَ جَمَعَهُ لأَنَّ المِيزَانَ يَشْتَمِلُ عَلَى الكِفَّتَيْنِ وَالشَّاهِدَيْنِ وَاللِّسَانِ وَلا يَتِمُّ الوَزْنُ إِلا بِاجْتِمَاعِهَا. اهـ."
وَالذي يُوضَعُ فِي المِيزَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ قِيلَ الأَعْمَالُ وَإِنْ كَانَتْ أَعْرَاضًا إِلا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْلِبُهَا يَوْمَ القِيَامَةِ أَجْسَامًا. قَالَ البَغْوَيُّ: رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَن ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ"مِنْ أَنَّ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ يَأْتِيَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَابَتَانِ أَوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ"
وَمِن ذَلكَ فِي الصَّحِيحِ قِصَّةُ القُرْآنِ"وَأَنَّهُ يَأْتِي صَاحِبَهُ فِي صُورَةِ شَابٍّ شَاحِبِ اللَّوْنِ فَيَقُولُ مَن أَنْتِ؟ فَيَقُولُ: أَنَا القُرْآنُ الذي أَسْهَرْتُ ليْلَكَ وَأَظْمَأْتُ نَهَارَكَ".
وَفِي حَدِيثِ البَرَاءِ فِي قِصَّةِ سُؤَالِ القَبْرِ:"فَيَأْتِي المُؤْمِنَ شَابٌّ حَسَنَ اللَّوْنِ طَيِّبَ الرِّيحِ فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ"وَذَكَرَ عَكْسَهُ فِي شَأْنِ الكَافِرِ وَالمُنَافِقِ. وَقِيلَ يُوزَنُ كِتَابُ الأَعْمَالِ. وَقِيلَ يُوزَنُ صَاحِبُ العَمَلِ. وَقَدْ يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآثَارِ بِأَنْ يَكُونَ ذَلكَ كُلُّهُ صَحِيحًا فَتَارَةً تُوزَنُ الأَعْمَالُ وَتَارَةً تُوزَنُ مَحَالُّهَا، وَتَارَةً يُوزَنُ فَاعِلُهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ القُرْطُبِيُّ: إِذَا انْقَضَى الحِسَابُ كَانَ بَعْدَهُ وَزْنُ الأَعْمَالِ وَالوَزْنُ لإِظْهَارِ مَقَادِيرِهَا ليَكُونَ الجَزَاءُ بِحَسَبِهَا قَالَ: وَقَوْلُهُ: {وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ ليَوْمِ القِيَامَةِ} يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ مَوَازِينُ مُتَعَدِّدَةٌ تُوزَنُ فِيهَا الأَعْمَالُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ المُرَادُ الْمَوْزُونَاتُ فَجُمِعَ بِاعْتِبَارِ تَنَوُّعِ الأَعْمَالِ المَوْزُونَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَالذي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ أَنَّ مِيزَانَ الأَعْمَالِ لهُ كِفَّتَانِ حِسِّيَّتَانِ مُشَاهَدَتَانِ.
وَفِي حَدِيثِ البِطَاقَةِ:"فَتُوضَعُ السِّجِلاَّتُ فِي كِفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ قَالَ فَطَاشَتِ السِّجِلاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ وَلا يَثْقُلُ شَيْءٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ"وَلاَ يَثْقُلُ شَيْءٌ اسْمَ اللَّهِ".
وَفِي سِيَاقٍ آخَرَ:"تُوضَعُ المَوَازِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُؤْتَى بِالرَّجُلِ فَيُوضَعُ فِي كِفَّةٍ"الحَدِيثَ، وَفِي هَذَا السِّيَاقِ فَائِدَةٌ جَليلَةٌ وَهِيَ: أَنَّ العَامِلَ يُوزَنُ مَعَ عَمَلهِ وَيَشْهَدُ لهُ مَا رَوَى البُخَارِيُّ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّهُ