الصفحة 157 من 204

لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ. قَالَ اقْرَأُوا إن شئتم: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا}

وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْنِي سِوَاكًا مِن الأَرَاكِ وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ فَضَحِكَ القَوْمُ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مِمَّ تَضْحَكُونَ؟ قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ فَقَالَ: وَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ لهُمَا أَثْقَلُ فِي المِيزَانِ مِن أُحُدٍ"."

وَقَدْ وَرَدَتِ الأَحَادِيثُ أيضًا بِوَزْنِ الأَعْمَالِ أَنْفُسِهَا كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلمٍ عَن أَبِي مَالكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ وَالحَمْدُ للَّهِ تَمْلَأُ المِيزَانَ"، وَفِي الصَّحِيحِ"كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ". وَلا يُلْتَفَتُ إِلَى مُلْحِدٍ مُعَانِدٍ يَقُولُ: الأَعْمَالُ أَعْرَاضٌ لا تَقْبَلُ الوَزْنَ وَإِنَّمَا يَقْبَلُ الوَزْنَ الأَجْسَامُ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْلِبُ الأَعْرَاضَ أَجْسَامًا كَمَا رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"يُؤْتَى بِالمَوْتِ كَبْشًا أَغَرَّ فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَرَوْنَ أَنْ قَدْ جَاءَ الفَرَجُ فَيُذْبَحُ وَيُقَالُ: خُلُودٌ لاَ مَوْتَ"وَرَوَاهُ البُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ فَثَبَتَ وَزْنُ الأَعْمَالِ وَالعَامِلُ وَصَحَائِفُ الأَعْمَالِ، وَثَبَتَ أَنَّ المِيزَانَ لهُ كِفَّتَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَرَاءَ ذَلكَ مِن الكَيْفِيَّاتِ وَلَوْ لمْ يَكُنْ مِن الحِكْمَةِ فِي وَزْنِ الأَعْمَالِ إِلا ظُهُورُ عَدْلهِ سُبْحَانَهُ لجَمِيعِ عِبَادِهِ فَإِنَّهُ لا أَحَدَ أَحَبَّ إِلَيْهِ العُذْرُ مِن اللَّهِ مِن أَجْلِ ذَلكَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَكَيْفَ وَوَرَاءَ ذَلكَ مِن الحِكَمِ مَا لا اطِّلاعَ لنَا عَلَيْهِ.

فَتَأَمَّلْ قَوْلَ المَلائِكَةِ لمَّا قَالَ اللَّهُ لهُمْ: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَليفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَ قَليلًا} .

* الحساب وتطاير الصحف *

وَتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ، وَهِيَ صَحَائِفُ الأَعْمَالِ، فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَميِنهِ، وَآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ أَوْ مِن وَرَاءِ ظَهْرِه كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} .

وَيُحَاسِبُ اللَّهُ الخَلائِقَ، فَيَخْلُو بِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ كَمَا وُصِفَ ذَلكَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

وَأَمَّا الكُفَّارُ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَن تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَإِنَّهُ لا حَسَنَاتِ لهُمْ، وَلَكِنْ تُعَدُّ أَعْمَالُهُمْ، فَتُحْصَى، فَيُوقَفُونَ عَلَيْهَا، ويُقَرَّرونَ بِهَا، [ويُجْرَوْنَ عليِهَا] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت