فهرس الكتاب
قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ} الآيَاتِ.
قَوْلُهُ: وَتُنْشَرُ الدَّوَاوِينُ وَهِيَ صَحَائِفُ الأَعْمَالِ، نَشْرُ الدَّوَاوِينِ فَتْحُهَا وَبَسْطُهَا.
قَوْلُه تَعَالَى: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} طَائِرُهُ مَا طَارَ لَهُ مِن عَمَلِهِ المُقَدَّرِ لهُ مِن خَيْرٍ وَشَرٍّ. وَخَصَّ العُنُقَ بِالذِّكْرِ لكَوْنِهِ عُضوًا مِن الأَعْضَاءِ لا نَظِيرَ لهُ فِي الجَسَدِ وَمَن أُلْزِمَ بِشَيْءٍ فِيهِ فَلا مَحِيدَ لهُ عَنْهُ، وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ:"مَا مِنْكُمْ مِن أَحَدٍ إِلا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ ليْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"ليْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلا هَلَكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا ذَلكَ العَرْضُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الحِسَابَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلا عُذِّبَ. وَلَهُمَا عَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ وَيَقُولُ لهُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنْ قَدْ هَلَكَ قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لك اليَوْمَ ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ"."
وَأَمَّا الكُفَّارُ وَالمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: {هَؤُلاءِ الذين كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالمِينَ} أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَن أَبِي مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَلاثَ عَرَضَاتٍ فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الأَيْدِي فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشَمَالِه"، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَةَ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَن عَبْدِ اللَّهِ موقوفًا نَحْوَهُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَا يُبْكِيك؟ قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْليكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَمَّا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ فَلا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ المِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانهُ أَوْ يَثْقُلُ؟ وَعِنْدَ الكِتَابِ حِينَ يُقَالُ: {هَاؤُمُ اقْرَؤُا كِتَابيَهْ} حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ أَفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شَمَالِهِ أَمْ مِن وَرَاءِ ظَهْرِهِ؟ وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ". وَعَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الدَّوَاوِينُ عِنْدَ اللَّهِ ثَلاثَةٌ دِيوَانٌ لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهُ شَيْئًا، وَدِيوَانٌ لا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا، وَدِيوَانٌ لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ: فَأَمَّا الدِّيوَانُ الذي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} الآيَةَ وَقَالَ: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ} وَأَمَّا الدِّيوَانُ الذي لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا فَظُلْمُ العَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ مِن صَوْمِ"