فهرس الكتاب
يَوْمٍ تَرَكَهُ. أَوْ صَلاةٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ ذَلكَ وَيَتَجَاوَزُ إِنْ شَاءَ، وَأَمَّا الدِّيوَانُ الذي لا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا فَظُلْمُ العِبَادِ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، القِصَاصُ لا مَحَالَةَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ وَالحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ المُتَقَدِّمِ"ليْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ هَلَكَ"ثُمَّ قَالَ أخيرًا وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الحِسَابَ إِلا عُذِّبَ"."
وَكِلاهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ لأَنَّ المُرَادَ بِالمُحَاسَبَةِ تَحْرِيرُ الحِسَابِ فَيَسْتَلْزِمُ المُنَاقَشَةَ وَمَنْ عُذِّبَ فَقَدْ هَلَكَ، وَقَالَ القُرْطُبِيُّ فِي المُفْهِمِ قَوْلُه: حُوسِبَ أَيْ: حِسَابَ اسْتِقْصَاءٍ، وَقَوْلُه: عُذِّبَ أَيْ: فِي النَّارِ جَزَاءً عَلَى السَّيِّئَاتِ الَّتِي أَظْهَرَهَا حِسَابُهُ، وَقَوْلُهُ: هَلَكَ أَيْ: بِالعَذَابِ فِي النَّارِ، قَالَ وَتَمَسَّكَتْ عَائِشَةُ بِظَاهِرِ لَفْظِ الحِسَابِ؛ لأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ القَليلَ وَالكَثِيرَ قَالَ القُرْطُبِيّ: مَعْنَى قَوْلِهِ:"إِنَّمَا ذَلكَ العَرْضُ"أَنَّ الحِسَابَ المَذْكُورَ فِي الآيَةِ إِنَّمَا هُوَ أَنْ تُعْرَضَ أَعْمَالُ المُؤْمِنِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْرِفَ مِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي سَتْرِهَا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي عَفْوِهِ عَنْهَا فِي الآخِرَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّجْوَى قَالَ عِيَاضٌ: قَوْلُهُ"عُذِّبَ"لهُ مَعْنَيَانِ.
(أَحَدُهُمَا) : أَنَّ مُنَاقَشَةَ الحِسَابِ، وَعَرْضَ الذُّنُوبِ، وَالتَّوْقِيفَ عَلَى قَبِيحِ مَا سَلَفَ وَالتَّوْبِيخَ تَعْذِيبٌ.
(وَالثَّانِي) أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى اسْتِحْقَاقِ العَذَابِ إِذْ لا حَسَنَةَ للْعَبْدِ إِلا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِإِقْدَارِهِ عَلَيْهَا وَتَفَضُّلِه عَلَيْهِ بِهَا وَهِدَايَتِهِ لهَا وَلأَنَّ الخَالِصَ لوَجْهِهِ قَليلٌ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الثَّانِي قَوْلُه فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى:"هَلَكَ"، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: التَّأْوِيلُ الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ لأَنَّ التَّقْصِيرَ غَالِبٌ عَلَى النَّاسِ فَمَنْ اسْتَقْصَى عَلَيْهِ وَلَمْ يُسَامِحْ هَلَكَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ وَجْهُ المُعَارَضَةِ أَنَّ لفْظَ الحَدِيثِ عَامٌّ فِي تَعْذِيبِ كُلِّ مَنْ حُوسِبَ وَلَفْظُ الآيَةِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لا يُعَذَّبُ، وَطَرِيقُ الجَمْعِ أَنَّ المُرَادَ بِالحِسَابِ فِي الآيَةِ العَرْضُ وَهُوَ إِبْرَازُ الأَعْمَالِ وَإِظْهَارُهَا فَيُعْرَفُ صَاحِبُهَا بِذُنُوبِهِ ثُمَّ يُتَجَاوَزُ عَنْهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ البَزَّارِ والطَّبَرَانِيِّ مِن طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحِسَابِ اليَسِيرِ؟ قَالَ: الرَّجُلُ تُعْرَضُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ ثُمَّ يُتَجَاوَزُ لهُ عَنْهَا"."
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ مُسْلمٍ:"يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُقَالُ اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ"الحَدِيثَ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَن عَائِشَةَ مرفوعًا: لا يُحَاسَبُ رَجُلٌ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ دَخَلَ الجَنَّةَ وَظَاهِرُهُ يُعَارِضُ حَدِيثَهَا المَذْكُورَ فِي البَابِ، وَطَرِيقُ الجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الحَدِيثَيْنِ معًا فِي حَقِّ المُؤْمِنِ. وَلا مُنَافَاةَ بَيْنَ التَّعْذِيبِ وَدُخُولِ الجَنَّةِ؛ لأَنَّ المُوَحِّدَ وَإِنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالتَّعْذِيبِ فَإِنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ أَوْ بِعُمُومِ الرَّحْمَةِ.
وَأَمَّا الكُفَّارُ فَلا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَن تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا} وَلَكِنَّهُمْ يُجْزَوْنَ بِأَعْمَالِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} وَقِيلَ: