فهرس الكتاب
تُوزَنُ أَعْمَالُ الكَافِرِ لقولِه تَعَالَى: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) الآيَاتِ
وَنَقَلَ القُرْطُبِيُّ عَن بَعْضِ العُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: الكَافِرُ لا ثَوَابَ لهُ وَعَمَلُهُ مُقَابَلٌ بِالعَذَابِ فَلا حَسَنَةَ لهُ تُوزَنُ فِي مَوَازِينِ القِيَامَةِ وَمَن لا حَسَنَةَ لهُ فَهُوَ فِي النَّارِ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلهِ تَعَالَى: {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْنًا} وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ فِي:"الكَافِرُ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ"، وَمَنْ قَالَ تُوزَنُ أَعْمَالُ الكَافِرِ قَالَ فِي الحَدِيثِ:"إِنَّ المُرَادَ بِهِ بَيَانُ حَقَارَةِ قَدْرِهِ وَلا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الوَزْنِ."
وَحَكَى القُرْطُبِيُّ فِي صِفَةِ وَزْنِ عَمَلِ الكَافِرِ وَجْهَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ كُفْرَهُ يُوضَعُ فِي الكِفَّةِ وَلا يَجِدُ لهُ حَسَنَةً يَضَعُهَا فِي الأُخْرَى فَتَطِيشُ الَّتِي لا شَيْءَ فِيهَا، قَالَ وَهَذَا ظَاهِرُ الآيَةِ؛ لأَنَّهُ وَصَفَ المِيزَانَ بِالخِفَّةِ لا المَوْزُونَ.
(وَثَانِيهُمَا) قَدْ يَقَعُ مِنْهُ العِتْقُ وَالبِرُّ وَالصِّلَةُ وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الخَيْرِ المَاليَّةِ مِمَّا لوْ فَعَلَهَا المُسْلمُ لكَانَتْ لهُ حَسَنَاتٌ فَمَنْ كَانَتْ لهُ حَسَنَةٌ جُمِعَتْ وَوُضِعَتْ غَيْرَ أَنَّ الكُفْرَ، إِذَا قَابَلَهَا رَجَحَ بِهَا.
قَالَ الحَافِظُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجَازَى بِهَا عَمَّا يَقَعُ مِنْهُ مِن ظُلْمِ العِبَادِ - مثلًا - فَإِنْ اسْتَوَتْ عُذِّبَ بِكُفْرِهِ - مثلًا - فَقَطْ وَإِلا زِيدَ عَذَابُهُ بِكُفْرِهِ أَوْ خُفِّفَ عَنْهُ كَمَا فِي قِصَّةِ أَبِي طَالبٍ اهـ.
* الحواض *
وَفِي [عَرَصَاتِ] القِيَامَةِ الحَوْضُ المَوْرُودُ للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَياضًَا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، طُولُهُ شَهْرٌ، وَعَرْضُهُ شَهْرٌ، مَن يَشْرَبُ مِنْهُ شَرْبَةً لا يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا.
ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلمٍ عَن أَنَسٍ قَالَ أَغْفَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِغْفَاءَةً فَرَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا إِمَّا قَالَ لهُمْ وَإِمَّا قَالُوا لهُ: لِمَ ضَحِكْتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأَ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ} حَتَّى خَتَمَهَا فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا الكَوْثَرُ؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ هُوَ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِي الجَنَّةِ عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ الكَوَاكِبِ يَخْتَلِجُ العَبْدُ مِنْهُمْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ إِنَّهُ مِن أُمَّتِي فَيُقَالُ: إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ"وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا، وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"تَرِدُونَ عَلَى الحَوْضِ وَأَنَا أَرُدُّ عَنْهُ النَّاسَ بِعَصَايَ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَرْضُهُ؟ قَالَ كَمَا بَيْنَ مَقَامِي هَذَا إِلَى عَمَّانَ قُلْنَا: وَمَا آنِيَتُهُ؟ قَالَ: عَدَدُ النُّجُومِ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الجَنَّةِ أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ وَالآخَرُ مِنْ وَرِقٍ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أبدًا"قَالَ ثَوْبَانُ: فَادْعُوَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَجْعَلَكُمْ مِن وَارِدِيهِ:"