فهرس الكتاب
الخَلَفِ وَأَنْكَرَتْ ذَلكَ طَائِفَةٌ مِن المُبْتَدِعَةِ وَأَحَالُوهُ عَن ظَاهِرِهِ وَغَلَوْا فِي تَأْوِيلِهِ مِن غَيْرِ اسْتِحَالَةٍ عَقْليَّةٍ وَلا عَادِيَّةٍ تُلْزِمُ حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ وَلا حَاجَةَ تَدْعُو إِلَى تَأْوِيلِهِ فَخَرَقَ مِن حَرْفِهِ إِجْمَاعَ السَّلَفِ وَفَارَقَ مَذْهَبَ أَئِمَّةِ الخَلَفِ اهـ
وَوُرُودُ حَوْضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الصِّرَاطِ فَيَرِدُهُ قَوْمٌ وَيُذَادُ عَنْهُ آخَرُونَ وَقَدْ بَدَّلُوا وَغَيَّرُوا وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَن أَنَسٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَشْفَعَ لي فَقَالَ: أَنَا فَاعِلٌ فَقُلْتُ أَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ؟ قَالَ أَنَا عِنْدَ المِيزَانِ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ؟ قَالَ أَنَا عِنْدَ الحَوْضِ"."
وَقَدْ اسْتَشْكَلَ كَوْنُ الحَوْضِ بَعْدَ الصِّرَاطِ بِمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الأَحَادِيثِ: أَنَّ جَمَاعَةً يُدْفَعُونَ عَنِ الحَوْضِ بَعْدَ أَنْ يَكَادُوا يَرِدُونَ وَيُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ وَوَجْه الإشْكالِ أَنَّ الذي يَمُرُّ عَلَى الصِّرَاطِ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى الحَوْضِ يَكُونُ قَدْ نَجَا مِن النَّارِ فَكَيْفَ يَرِدُ إِلَيْهَا؟ وَيُمَكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُمْ يُقَرَّبُونَ مِن الحَوْضِ بِحَيْثُ يَرَوْنَهُ وَيَرَوْنَ النَّارَ فَيُدْفَعُونَ إِلَى النَّارِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُصُوا مِن بَقِيَّةِ الصِّرَاطِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ: ذَهَبَ صَاحِبُ القُوتِ وَغَيْرُهُ: إِلَى أَنَّ الحَوْضَ يَكُونُ بَعْدَ الصِّرَاطِ وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى العَكْسِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوْضَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي المَوْقِفِ قَبْلَ الصِّرَاطِ وَالآخَرُ دَاخِلُ الجَنَّةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى كَوْثَرًا قَالَ الحَافِظُ: وَفِيهِ نَظَرٌ لأَنَّ الكَوْثَرَ نَهْرٌ دَاخِلَ الجَنَّةِ وَمَاؤُهُ يَصُبُّ فِي الحَوْضِ وَيُطْلَقُ عَلَى الحَوْضِ كَوْثَرًا لكَوْنِهِ يُمَدُّ مِنْهُ , فَغَايَةُ مَا يُؤْخَذُ مِن كَلامِ القُرْطُبِيِّ أَنَّ الحَوْضَ يَكُونُ قَبْلَ الصِّرَاطِ فَإِنَّ النَّاسَ يَرِدُونَ المَوْقِفَ عِطَاشًا فَيَرِدُ المُؤْمِنُونَ الحَوْضَ وَتَتَسَاقَطُ الكُفَّارُ فِي النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَقُولُوا: رَبَّنَا عَطِشْنَا فَتُرْفَعُ لهُمْ جَهَنَّمُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ فَيُقَالُ: أَلا تَرِدُونَ فَيَظُنُّونَهَا مَاءً فَيَتَسَاقَطُونَ فِيهَا.
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلمٌ مِن حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ:"أَنَّ الحَوْضَ يَشْخَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِن الجَنَّةِ". وَلَهُ شَاهِدٌ مِن حَدِيثِ ثَوْبَانَ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى القُرْطُبِيِّ لا لَهَ؛ لأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصِّرَاطَ جِسْرُ جَهَنَّمَ وَأَنَّهُ بَيْنَ المَوْقِفِ وَالجَنَّةِ وَأَنَّ المُؤْمِنِينَ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ لدُخُولِ الجَنَّةِ فَلَوْ كَانَ الحَوْضُ دُونَهُ لحَالَتِ النَّارُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَاءِ الذي يُصَبُّ مِن الكَوْثَرِ فِي الحَوْضِ. وَظَاهِرُ الحَدِيثِ أَنَّ الحَوْضَ بِجَانِبِ الجَنَّةِ لِيَنْصَبَّ فِيهِ المَاءُ مِن النَّهْرِ الذي دَاخِلَهَا. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: وَيُفْتَحُ نَهْرُ الكَوْثَرِ إِلَى الحَوْضِ ا. هـ
وَقَالَ القُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ: وَاخْتُلِفَ فِي المِيزَانِ وَالحَوْضِ أَيُّهُمَا يَكُونُ قَبْلَ الآخَرِ؟ فَقِيلَ المِيزَانُ وَقِيلَ الحَوْضُ. قَالَ أَبُو الحَسَنِ القَابِسِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الحَوْضَ قَبْلُ. قَالَ القُرْطُبِيُّ: وَالمَعْنَى يَقْتَضِيهِ فَإِنَّ النَّاسَ يَخْرُجُونَ عِطَاشًا مِن قُبُورِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ فَيُقَدَّمُ قَبْلَ المِيزَانِ وَالصِّرَاطِ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ الغَزَاليُّ فِي كِتَابِ كَشْفِ عِلْمِ الآخِرَةِ: حَكَى بَعْضُ السَّلَفِ مِن أَهْلِ التَّصْنِيفِ أَنَّ الحَوْضَ يُورَدُ بَعْدَ الصِّرَاطِ، وَهُوَ غَلَطٌ مِن قَائِلِهِ القُرْطُبِيِّ هُوَ كَمَا قَالَ، ثُمَّ قَالَ القُرْطُبِيُّ: وَلا يَخْطُرُ بِبَالِكَ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الأَرْضِ بَلْ فِي الأَرْضِ المُبْدَّلَةِ أَرْضٌ بَيْضَاءُ كَالفِضَّةِ لمْ يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ وَلَمْ يُظْلَمْ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدٌ قَطُّ تَظْهَرُ لنُزُولِ الجَبَّارِ جَلَّ جَلالُهُ لفَصْلِ القَضَاءِ انْتَهَى.