الصفحة 163 من 204

فَقَاتَلَ اللَّهُ المُنْكِرِينَ لوُجُودِ الحَوْضِ وَأَخْلِقْ بِهِمْ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهمْ وَبَيْنَ وُرُودِهِ يَوْمَ العَطَشِ الأَكْبَرِ.

وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ لقِيطِ بْنِ عَامِرٍ:"فَتَطَّلِعُونَ عَلَى حَوْضِ نَبِيِّكُمْ"ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الحَوْضَ مِن وَرَاءِ الجِسْرِ وَكَأَنَّهُمْ لا يَصِلُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَقْطَعُوا الجِسْرَ وَللسَّلَفِ فِي ذَلكَ قَوْلانِ: حَكَاهُمَا القُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ وَالغَزَاليُّ وغَلِطَ مَن قَالَ إِنَّهُ بَعْدَ الجِسْرِ. وَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ عَلَى الحَوْضِ إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَقَالَ: هَلُمَّ فَقُلْتُ إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ قُلْتُ مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمْ ارْتَدُّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ فَلا أُرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ. قَالَ: فَهَذَا الحَدِيثُ مَعَ صِحَّتِهِ أَدَلُّ دَليلٍ عَلَى أَنَّ الحَوْضَ يَكُونُ فِي المَوْقِفِ قَبْلَ الصِّرَاطِ؛ لأَنَّ الصِّرَاطَ إِنَّمَا هُوَ جِسْرٌ مَمْدُودٌ عَلَى جَهَنَّمَ فَمَنْ جَازَهُ سَلِمَ مِن النَّارِ. قَلَتْ: وَلَيْسَ بَيْنَ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَارُضٌ وَلا تَنَاقُضٌ وَلا اخْتِلافٌ وَحَدِيثُهُ كُلُّهُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَأَصْحَابُ هَذَا القَوْلِ إِنْ أَرَادُوا أَنَّ الحَوْضَ لا يُرَى وَلا يُوصَلُ إِلَيْهِ إِلا بَعْدَ قَطْعِ الصِّرَاطِ فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا وَغَيْرِهِ يَرُدُّ قَوْلَهُمْ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ المُؤْمِنِينَ إِذَا جَازُوا الصِّرَاطَ وَقَطَعُوهُ بَدَا لَهُمُ الحَوْضُ فَشَرِبُوا مِنْهُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ لقِيطٍ هَذَا وَهُوَ لا يُنَاقِضُ كَوْنَهُ قَبْلَ الصِّرَاطِ فَإِنَّهُ قَالَ: طُولُهُ شَهْرٌ وَعَرْضُهُ شَهْرٌ فَإِذَا كَانَ بِهَذَا الطُّولِ وَالسِّعَةِ فَمَا الذي يُحِيلُ امْتِدَادَهُ إِلَى مَا وَرَاءِ الجِسْرِ؟ فَيَرِدُهُ المُؤْمِنُونَ قَبْلَ الصِّرَاطِ وَبَعْدَهُ؟ فَهَذَا فِي حَيِّزِ الإِمْكَانِ وَوُقُوعُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى خَبَرِ الصَّادِقِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ:"عَلَى أَظْمَاءِ نَاهِلَةٍ قَطُّ": النَّاهِلَةُ العِطَاشُ الوَارِدُ دُونَ المَاءِ أَيْ: يَرِدُوهُ أَظْمَأَ مَا هُمْ إِلَيْهِ وَهَذَا يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الصِّرَاطِ فَإِنَّهُ جِسْرُ النَّارِ وَقَدْ وَرَدُوهَا كُلُّهُمْ فَلَمَّا قَطَعُوهُ اشْتَدَّ ظَمَؤُهُمْ إِلَى المَاءِ فَوَرَدُوا حَوْضَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا وَرَدُوهُ فِي مَوْقِفِ القِيَامَةِ."

* الصراط والقنطرة *

وَالصِّرَاطُ مَنْصُوبٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ، وَهُوَ الجِسْرُ الذي بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَمُرُّ النَّاسُ [عَلَيْهِ] عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَن يَمُرُّ كَلَمْحِ البَصَرِ، وَمِنْهُمْ مَن يَمُرُّ كَالبَرْقِ، وَمِنْهُمْ مَن يَمُرُّ كَالرِّيحِ، وَمِنْهُمْ مَن يَمُرُّ كَالفَرَسِ الجَوَادِ، وَمِنْهُمْ مَن يَمُرُّ كَرِكَابِ الإِبِلِ، وَمِنْهُمْ مَن يَعْدُو عَدْوًا، وَمِنْهُمْ مَن يَمْشِي مَشْيًا، وَمِنْهُمْ مَن يَزْحَفُ زَحْفًا، وَمِنْهُمْ مَن يُخْطَفُ وَيُلْقَى فِي جَهَنَّمَ فَإِنَّ الجِسْرَ عَلَيْهِ كَلاليبُ تَخْطِفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمَنْ مَرَّ عَلَى الصِّرَاطِ دَخَلَ الجَنَّةَ.

فَإِذَا عَبَرُوا عَلَيْهِ وَقَفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، فَإِذَا هُذِّبُوا ونُقُّوا أُذِنَ لهُمْ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ.

بَعْدَ مُفَارَقَةِ النَّاسِ للْمَوْقِفِ يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ"وَحَشْرُهُمْ وَحِسَابُهُمْ يَكُونُ قَبْلَ الصِّرَاطِ. فَإِنَّ الصِّرَاطَ عَلَيْهِ يَنْجُونَ إِلَى الجَنَّةِ وَيَسْقُطُ أَهْلُ النَّارِ فِيهَا كَمَا ثَبَتَ فِي الأَحَادِيثِ".

وَفِي صَحِيحِ مُسْلمٍ عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ؟ قَالَ عَلَى الصِّرَاطِ. وَلَهُ أيضًا عَن"ثَوْبَانَ أَنَّ حَبْرًا مِنَ اليَهُودِ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْنَ يَكُونُ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت