فهرس الكتاب
النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ؟ قَالَ: هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الجِسْرِ، قَالَ فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ"."
وَذَكَرَ الحَدِيثَ"وَيُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الظُّلْمَةَ دُونَ الجِسْرِ حُكْمُهَا حُكْمُ الجِسْرِ وَفِيهَا تَقْسِيمُ الأَنْوَارِ للْجَوَازِ عَلَى الجِسْرِ، فَقَدْ يَقَعُ تَبْدِيلُ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ وَطَيُّ السَّمَاءِ مِن حِينِ وُقُوعِ النَّاسِ فِي الظُّلْمَةِ وَيَمْتَدُّ ذَلكَ إِلَى حَالِ المُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ."
وَفِي صَحِيحِ مُسْلمٍ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"وَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَلِجُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قَالَتْ حَفْصَةُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعِيهِ قَالَ: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} "أَشَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنَّ وُرُودَ النَّارِ لا يَسْتَلْزِمُ دُخُولَهَا، وأنَّ النَّجَاةَ مِن الشَّرِّ لا تَسْتَلْزِمُ حُصُولَهُ، بَلْ تَسْتَلْزِمُ انْعِقَادَ سَبَبهِ فَمَنْ طَلَبَهُ عَدُّوهُ ليُهْلِكُوهُ وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْهُ يُقَالُ: نَجَّاهُ اللَّهُ مِنْهُمْ. وَلهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا} - {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا} - {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا} وَلَمْ يَكُنِ العَذَابُ أَصَابَهُمْ وَلَكِنْ أَصَابَ غَيْرَهمْ وَلَوْلا مَا خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن أَسْبَابِ النَّجَاةِ لأَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ أُولَئِكَ، وَكَذَلكَ حَالُ الوَارِدِ فِي النَّارِ يَمُرُّونَ فَوْقَهَا عَلَى الصِّرَاطِ، ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الذين اتَّقَوْا وَيَذْرُ الظَّالمِينَ فِيهَا جِثِيًّا، فَقَدْ بَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ المَذْكُورِ أَنَّ الوُرُودَ المَذْكُورَ فِي الآيَةِ هُوَ المُرُورُ عَلَى الصِّرَاطِ.
قَوْلُهُ وَهُوَ الجِسْرُ - الجَسْرُ: بِفَتْحِ الجِيمِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا. وَالكَلاليبُ: جَمْعُ كَلُّوْبٍ بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ حَدِيدَةٌ مُعْوَجَّةُ الرَّأْسِ. كَمَا فِي النِّهَايَةِ.
وَفِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ معًا:"وَفِي حَافَّتَيِ الصِّرَاطِ كَلاَلِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ"وَفِي رِوَايَةِ سُهَيْلٍ وَعَلَيْهِ كَلاليبُ النَّارِ.
قَوْله:"تَخْطِفُ النَّاسَ"بِكَسْرِ الطَّاءِ وَبِفَتْحِهَا، قَالَ ثَعْلَبٌ: فِي الفَصِيحِ خَطِفَ بِالكَسْرِ فِي المَاضِي، وَبِالفَتْحِ فِي المُضَارِعِ، وَحَكَى القَزَّازُ عَكْسَهُ وَالكَسْرُ فِي المُضَارِعِ أَفْصَحُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ حديثًا طويلًا وَفِيهِ قَالَ:"ثُمَّ يُضْرَبُ الجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ وَتَحُلُّ الشَّفَاعَةُ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ سِلِّمْ سَلِّمْ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الجِسْرُ؟ قَالَ دَحْضٌ مَزِلَّةٌ فِيهِ خَطَاطِيفُ وَكَلاَلِيبُ وَحَسَكَةٌ تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ يُقَالُ لهَا السَّعْدَانُ فَيَمُرُّهُ المُؤْمِنُ كَطَرْفِ العَيْنِ وَكَالبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيْرِ وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ وَمُكَرْدَسٌ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ".
وَفِي رِوَايَةٍ للْبُخَارِيِّ:"حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ سَحْبًا"وَفِي رِوَايَةٍ لمُسْلمٍ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ:"بلغَنِي أَنَّ الجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ".