الصفحة 201 من 204

ورَوَى ابنُ بطَّةَ بإسنادِه عن مالكِ بنِ أنسٍ أنه قالَ مَن سبَّ الصحابةَ فليسَ لهُ في الفئِ نصيبٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقولُ: {وَالذِينَ جَاءوا مِنْ بَعْدِهِم} الآيةَ، وهذا معروفٌ عن مالكٍ وغيرِه من أهلِ العلمِ كأبى عبيدٍ القاسمِ بنِ سلَّامٍ، وكذا ذكرَهُ أبو حكيمٍ النهرَوَانيُّ من أصحابِ أحمدَ, وغيرُه من الفقهاءِ. وروى أيضًا عن ابنِ عباسٍ قال: أمرَ اللهُ بالاستغفارِ لأصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو يعلمُ أنهم يقتتلونَ.

وقالَ عروةُ قالتْ عائشةٌ: يا بنَ أختى , أُمِروا بالاستغفارِ لأصحابِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فسبُّوهم. وفي الصحيحِ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قال: َ قيلَ لعائشةَ: إنَّ ناسًا يتناولونَ أصحابَ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ حتَّى أبا بكرٍ وعمرَ فقالتْ: وما تعجبونَ من هذا؟

انقطعَ عنهم العملُ ,فأحبَّ اللهُ أن لا يَقطعَ عنهم الأجرَ. وروى ابنُ بطَّةَ عن ابنِ عمرَ: قالَ لا تَسبُّوا أصحابَ محمدٍ فلَمُقامُ أحدِهم - يعني: مع النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلمَ خيرٌ من عملِ أحدِكم أربعينَ سنة ً. وفي روايةِ وكيع: ٍ خيرٌ من عبادةِ أحدِكم عُمرَه.

وقالَ إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ: سألتُ أبا أمامةَ: أيُّما كانَ أفضلُ: معاويةُ أو عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ؟ فقالَ: لا تَعدِلْ بأصحابِ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلمَ أحدًا.

وقالَ ابنُ عباسٍ لرجلٍ سمعَه يقولُ كلامًا يثلِبُ به الصحابةَ فقالَ: أَمِن المهاجرينَ الأولينَ أنتَ؟ قالَ: لا. قالَ: فمِن الأنصارِ أنتَ؟ قالَ: لا. قالَ: فأنا أشهدُ بأنَّك لستَ من التابعينَ لهم بإحسانٍ )) .

قولُهُ"وطاعةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قولِهِ: لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي".

إلخ هذا الحديثُ خرَّجاه في الصَّحِيحينِ مِن حَدِيثِ أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ. وعَن أبي سعيدٍ الخُدريِّ قَالَ: كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ شَيْءٌ فَسبَّهُ خَالِدٌ فقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ ولَا نِصِيفَهُ. رواه مسلمٌ.

والأصحابُ جَمْعُ صاحبٍ والصَّاحبُ اسمُ فاعلٍ مِن صَحِبَهُ يَصْحَبُهُ. وذَلِكَ يقعُ عَلَى كثيرِ الصُّحبةِ وقَلِيلِهَا. وممَّا يبيِّنُ هذا أنَّ لَفْظَ الصُّحبةِ فيه عمومُ خصوصٍ فإنَّه يُقَالُ: صَحِبْته ساعةً وصَحِبته شهرًا وصَحِبْته سنةً. وَهَذَا قولُ جماهيرِ العلماءِ مِن الفقهاءِ وأهلِ الكلامِ وغيرِهم يَعُدّون في أصحابِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَن قَلَّتْ صحبتُهُ ومَن كثُرَت وَفِي ذَلِكَ خِلافٌ ضعيفٌ. وكذَلِكَ قَالَ الإِمَامُ أحمدُ وغيرُه: كُلُّ مَن صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سنةً أو شهْرًا أو يومًا أو رَآهُ مؤْمِنًا به فهو مِن أصحابِه له مِن الصُّحْبةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ ولاَ رَيْبَ أنَّ مُجَرَّدَ رؤيةِ الإنسانِ لِغيرِهِ لاَ تُوجِبُ أنْ يُقَالَ قَدْ صَحِبَهُ ولكنْ إذا رَآهُ عَلَى وجْهِ الاتِّباعِ له والاقتداءِ بهِ دونَ غيرِهِ والاختصاصِ بهِ.

ولهذا لمْ يُعتَدَّ برؤيةِ مَن رأى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن الكُفَّارِ والمنافقينِ فأَنَّهُمْ لم يَرَوْهُ رؤيةَ مَن قَصَدَ أنْ يؤمِنَ بهِ ويكونَ مِن أتباعِهِ وأعوانِهِ المُصَدِّقينَ له فيما أَخْبَرَ المُطِيعينَ له فيما أَمَرَ الْمُوالِينَ له المُعادِينَ لِمَنْ عَادَاهُ الذي هو أحبُّ إليهِم مِن أنفسِهِم وأموالِهِمْ وكلِّ شيءٍ. وامتازَ عَن سائرِ المؤمنينَ بأنه رآهُ وهَذِهِ حالُهُ مَعَهُ فكَانَ صاحبًا له بهذا الاعتبارِ ويدلُّ لذَلِكَ ما ثبَتَ في الصَّحِيحينِ عَن أبي هريرةَ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي رَأَيْتُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت