فهرس الكتاب
إِخْوَانِي، قَالوا: يا رسولَ اللهِ، أَوَلَسْنَا إخوانَكَ؟ فقَالَ: بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي. وَإِخْوَانِي الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي. فَدَلَّ عَلَى أنَّ مَن آمَنَ بهِ ورآه فهوَ مِن أصحابِهِ لاَ مِن هَؤُلاَءِ الإخوانِ الَّذِينَ لم يَرَهُمْ وَلَمْ يَرَوْهُ.
ولمَّا كَانَ لفظُ (( الصُّحْبةِ ) )فيه عمومٌ كَانَ مَنِ اختصَّ بالصُّحبةِ بِما يتمَيَّزُ به عَن غيرِه فوقَ مَن لم يَشترِكْ معهُ فِيها. كما قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حَدِيثِ أبي سعيدٍ لخالدِ بنِ الوليدِ رَضِيَ اللهُ عنهم أجْمَعِينَ لَمَّا اخْتَصَمَ هوَ وعبدُ الرَّحْمَنِ: يَا خَالِدُ لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحِدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ ولَا نَصِيفَهُ.
فعبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عوفٍ وأمثالُهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ مِن السَّابِقينَ الأوَّلِين الَّذِينَ أنْفَقُوا قبْلَ الفَتْحِ فَتْحِ الْحُدَيْبِيةِ، وخالدُ بنُ الوليدِ وغيرُهُ مِمَّنْ أَسْلَمَ بعدَ الحديبيةِ وَأَنفَقُوا وَقَاتَلُوا دونَ أولئكَ قَالَ تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُمْ مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} وَالمُرادُ بالفتحِ فتحُ الحُدَيْبِيَةِ.
لَمَّا بَلَغَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابَهُ تحتَ الشجرةِ وسورةُ الفتحِ التي أنْزَلَهَا اللهُ قبلَ فتحِ مكةَ. بَل قبلَ أنْ يَعْتَمرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمْرةَ القَضِيَّةِ وكانتْ بيعةُ الرضوانِ عامَ الحديبيةِ سنةَ ستٍّ مِن الهِجرةِ وصَالحَ المشركينَ صُلْحَ الحديبيةِ المشهورِ وبذَلِكَ الصُّلحِ حصلَ مِن الفتحِ والخيرِ ما لاَ يعلمُهُ إلاَ اللهُ. والمقصودُ أنَّ الَّذِينَ صَحِبوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبلَ الفتحِ واختصُّوا مِن الصُّحبةِ بِما استحقُّوا به التبريزَ عَلَى مَن بعدَهُم حتَّى قَالَ لخالدٍ رَضِيَ اللهُ عنه: لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي. فإنَّهُمْ صَحِبوه قبلَ أنْ يصحَبَهُ خالدٌ وأمثالُهُ.
فإنْ قِيلَ فَلِمَ نَهَى خالدًا عَن أنْ يسُبَّ أصحابَهُ إذا كَانَ مِن أصحابِه أيضًا وقَالَ: لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ ولاَ نَصِيفَهُ.؟ قُلنا لأنَّ عبدَ الرَّحْمَنِ بنَ عوفٍ ونُظَراءهُ مِن السَّابقينَ الأوَّلِينَ الذين صَحِبوه في وقتٍ كَانَ خالدٌ وأمثالُهُ يُعادُونهُ فيهِ. وأنْفَقُوا أموالَهُمْ قبلَ الفتحِ وقَاتَلُوا وَكُلاَّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى فَقَدْ انْفَرَدُوا مِن الصُّحبةِ بما لم يُشرِكْهم فيه خالدٌ وَنُظراؤه مِمَّنْ أسْلَمَ بعدَ الفتحِ الذي هو صُلحُ الحديبيةِ وقَاتَلَ فَنَهَى أنْ يُسَبَّ أولئكَ الَّذِينَ صحِبُوه قَبْلَه ومَنْ لم يَصحَبْه قطُّ نِسْبتُه إلى مَن صَحِبهُ كنسبةِ خالدٍ إلى السَّابقينَ وأبعدَ. وقولُه: لاَ تَسُبُّوا أصْحَابِي. خِطابٌ لكلِّ أحدٍ أنْ يسبَّ مَنِ انفردَ عنه بِصُحبتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قولُه: مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ ولاَ نَصِيفَهُ. المُدُّ بضمِّ الميمِ مِكيالٌ معروفٌ والنَّصيفُ لغةٌ في النِّصْفِ وَهُوَ مكيالٌ دونَ المُدِّ.
قَالَ الخطَّابيُّ: النَّصِيفُ بمَعْنَى النِّصفِ. كما قالوا: الثَّمِينُ بمعنى الثَّمَنِ.
قَالَ الشاعرُ:
فَمَا طَارَ لي في القسمِ إلا ثَمينُها.
وقَالَ آخرُ:
لم يعْدِلْها مُدٌّ ولاَ نصيفٌ
والمَعنْى أنّ جُهدَ المُقِلِّ منهم واليسيرَ مِن النَّفقةِ الذي أَنْفَقَهُ في سبيلِ اللهِ مَعَ عُسْرةِ العيشِ والضيقِ الذي كانوا فيه أوْفَى عندَ اللهِ وأزْكَى مِن الكثيرِ الذي يُنفقُهُ مَن بَعدَهم ا هـ. وذَلِكَ أنَّ الإيمانَ الذي كَانَ في قلوبِهِم حينَ الإنفاقِ في أوَّلِ الإسلامِ وقلَّةِ أهلِهِ وكثرةِ الصَّوارفِ عنه وَضَعْفِ الدَّواعي إليه