الصفحة 203 من 204

لاَ يُمَكِّنُ أحدًا أن يحصُلَ له مِثْلُه مِمَّنْ بعدَهُم وَهَذَا يَعرِفُ بَعْضَه مَن ذاقَ الأمُورَ وَعرِفَ المِحنَ والابتلاءَ الذي يَحصُلُ للنَّاسِ وما يحصُلُ للقلوبِ مِن الأحوالِ المختلفةِ وَهَذَا مما يُعرفُ به أنَّ أبا بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه لن يكونَ أحدٌ مثلَهُ. فإنَّ اليقينَ والإيمانَ الذي كَانَ في قلبِهِ لاَ يُساوِيهِ أحدٌ. قَالَ أَبُو بكرِ بنُ عيَّاشٍ: مَا سَبَقَهم أَبُو بكرٍ بِكَثرةِ صلاةٍ ولاَ صيامٍ ولكنْ بشيءٍ وَقَرَ في قلْبِه.

وهكذا سائرُ الصحابةِ حصَلَ لَهُمْ - بِصُحْبتِهِم للرَّسولِ مؤمنينَ به مُجاهِدينَ معه- إيمانٌ ويقينٌ لم يَشْركْهم فيه مَن بعدَهم. وقدْ ثبتَ في صحيحِ مُسلمٍ عَن أبي موسى عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه رَفَعَ رأسَهُ إلى السَّماءِ وكَانَ كثيرًا ما يَرْفعُ رأسَهُ إلى السَّماءِ فقَالَ:

النُّجومُ أمِنَةٌ لِلسَّماءِ فَإذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُونَ، وأَنَا أَمَنةٌ لأَصْحَابِي فَإذَا ذَهَبْتُ أَتَى أصْحابي ما يُوعَدُونَ، وَأصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي ما يُوَعَدُونَ. وقدْ ثَبَتَ ثناءُ النَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى القرونِ الثَّلاثةِ في عِدَّةِ أحاديثَ صحيحةٍ مِن حَدِيثِ ابنِ مسعودٍ وعِمرانَ بنِ حصينٍ يقولُ فيها: خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ.

وشكَّ بعضُ الرُّواةِ هَلْ ذَكَرَ بعدَ قرْنِه قَرنينِ أو ثلاثةٍ؟ والمقصودُ أنَّ فضْلَ الأعمالِ وَثَوابَهَا ليسَ لِمُجرَّدِ صورِهَا الظَّاهرةِ. بلْ لِحَقَائِقِها التي في القلوبِ. والناسُ يَتفاضلونَ في ذَلِكَ تَفاضُلًا عظيمًا. وَهَذَا ممَّا يَحتجُّ بهِ مَن رَجَّحَ كُلَّ واحدٍ مِن الصَّحَابَةِ عَلَى كلِّّ واحدٍ مِمَّن بعدَهم فإنَّ العلماءَ مُتَّفقونَ عَلَى أنَّ جُملةَ الصَّحَابةِ أفضلُ مِن جُملةِ التَّابِعينَ. لكنْ هَل يَفْضُلُ كلُّ واحدٍ مِن الصَّحَابَةِ كلَّ واحدٍ مِمَّن بعدَهم ويفضُلُ معاويةُ عَلَى عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ. ذَكَرَ القَاضي عياضٌ وغيرُه في ذَلِكَ قَوْلينِ وأنَّ الأْكثرِينَ يُفضِّلون كلَّ واحدٍ مِن الصَّحَابَةِ. وَهَذَا مأثورٌ عَن ابنِ المباركِ وأحمدَ بنِ حنبلٍ وغيرِهم. ومِن حُجَّةِ هَؤُلاَءِ أنَّ أعمالَ التَّابِعينَ وإنْ كانتْ أكثرَ.

وعدْلُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ أظْهرُ مِن معاويةَ وَهُوَ أزهدُ مِن معاويةَ لكنَّ الفضائلَ عندَ اللهِ بحقائقِ الإيمانِ الذي في القلوبِ. وقد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ ولاَ نَصِيفَهُ. قَالُوا: فنحنُ قدْ نعلمُ أنَّ أعمالَ بعضِ مَن بعدَهم أكثرُ مِن أعمالِ بعضِهم لكنْ مِن أينَ نعلمُ أنَّ ما في قلْبِه مِن الإيمانِ أعظمُ مِمَّا في قلبِ ذَلِكَ؟

والنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخبرُ أنَّ مِثلَ جَبَلِ أُحدٍ ذَهَبًا مِن التَّابِعينَ الَّذِينَ أسلَمُوا بعدَ الحديبيةِ لاَ يُساوِي نِصفَ مُدٍّ مِن السابِقينَ، وَمَعْلومٌ فَضْلُ النفعِ الْمُتعدِّي بعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أعطَى النَّاسَ حُقوقَهُم وَعَدلَ فيهم فلو قُدِّرَ أنَّ الذي أعَطَاهم مُلْكَهُ وتَصَدَّقَ به عَلَيْهِمْ لم يعْدِلْ ذَلِكَ ما أَنفَقَهُ السَّابِقونَ إلاَ شيئًا يسيرًا وأينَ مِثْلُ جبلِ أُحدٍ ذَهَبًا حتى يُنفِقَهُ الإنسانُ؟ وَهُوَ لاَ يصيرُ مِثلَ نِصفِ مُدٍّ. ولهذا يقولُ مَن يقولُ مِن السَّلفِ: غُبارٌ دخلَ في أنفِ معاويةَ مَعَ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضلُ مِن عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ.

ومَن لعَنَ أحدًا مِن أصحابِ رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ كمعاويةَ وعمرِو بنِ العاصِ أو مَن هو أفضلُ مِن هَؤُلاَءِ كأبى موسى الأشعرى وأبى هريرة أو من هو أفضل من هؤلاء كطلحةَ والزبيرِ وعثمانَ أو عليٍّ أو أبي بكرٍ أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت