فهرس الكتاب
ومال إلى هذا القول أيضًا القرطبي (1) ، ونسبه للجمهور من الصحابة ومن بعدهم ، وأنهم تمسكوا في ذلك بشرب النبي - صلى الله عليه وسلم - من زمزم قائمًا ، وكأنهم رأوا هذا الفعل منه متأخِّرًا عن أحاديث النهي ، فإنَّه كان في حجة الوداع ، فهو ناسخٌ ، ويُحَقِّقُ ذلك حُكمُ الخلفاء الثلاثة بخلافها (2) ، ويبعدُ أن تخفى عليهم تلك الأحاديث مع كثرة علمهم ، وشدَّة ملازمتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتشدُّدِهم في الدين .
الفريق الثاني: الذين رجَّحوا أدلَّة الجواز على أدلَّة النهي بحجَّة أنَّها أقوى وأصحّ وأثبت ، وهذه طريقة أخرى لأبي بكر الأثرم (3) ، وأيَّد قوله بأن أنس بن مالك وأبا هريرة - الَّذَيْن رويا أحاديث النهي - قد جاء عنهما خلافه ، وهو الجواز (4)
(1) في"المفهم" (5/285) .
(2) يعني: أبا بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم . أما عمر وعلي فتقدم أنه صحيح عنهما ، وتقدم أيضًا أنه روي عن عثمان - رضي الله عنه - ، لكنه ضعيف ، ولم أجده عن أبي بكر كما تقدم (ص61-62) .
(3) في"ناسخ الحديث ومنسوخه" (ص228-230) .
(4) أما حديث أنس: فهو المتقدم في أحاديث الإباحة المرفوعة برقم (6) ، وفيه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شرب من القِرْبَة قائمًا ، وتقدم أنه حديث ضعيف .
وأما حديث أبي هريرة فتقدم في أحاديث الإباحة المرفوعة برقم (10) ، أنه - صلى الله عليه وسلم - شرب من زمزم قائمًا ، وأنه ناول الإناء مَنْ شرب قائمًا ، وروي عنه موقوفًا ، وهو حديث ضعيف موقوفًا ومرفوعًا .