فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 85

ـ فقالت طائفة: إن النهي عن الشرب قائمًا ليس نهي تحريم ، ولكنه مخافة الضرر (1) ، والأمر بالقعود أمر إرشاد طبي لاشرعي ؛ لأن في الشرب قائمًا أضرارًا كثيرة ، تحدَّث ابن القيم عن بعضها فقال (2) : « للشرب قائمًا آفات عديدة ، منها: أنه لا يحصل به الرِّيُّ التَّام ، ولا يستقرُّ في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء ، وينزل بسرعة وحدَّة إلى المعدة ، فيخشى منه أن يبرِّد حرارتها ويشوِّشها ، ويسرع النفوذ إلى أسفل البدن بغير تدريج ، وكل هذا يضر بالشارب ، وأما إذا فعله نادرًا أو لحاجة لم يضرَّه » (3) .

وقد كره الشرب قائمًا من التابعين: عامر الشعبي (4) ، وإبراهيم النخعي (5) ؛ لأنه داء.

واختار هذا القول الطحاوي (6) ، حين روى أحاديث النهي ، ثم أتبعها بأحاديث الإباحة ، ثم ذكر أن النهي لما يُخاف منه من الضرر وحدوث الداء لا غير ذلك ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد بذلك النهي: الإشفاق على أمته ، وأمره إياهم بما فيه صلاحهم في دينهم ودنياهم .

وذكره البيهقي وجهًا آخر من وجوه الجمع بين الأخبار ، فقال (7) : « يحتمل أن يكون النهي عن الشراب قائمًا على الاختيار والأدب في الشرب قاعدًا ، أو لما فيه من الداء فيما زعم أهل الطب ، وخصوصًا لمن كانت في أسافله عِلَّة يشكوها من برد ، أو رطوبة ، لا على التحريم » .

(1) ذكر ابن العربي في"عارضة الأحوذي" (8/72-73) بأن النهي عن الشرب قائمًا ليس بنهي تشريع ، وإنما هو نهي تطبب .

(2) في"زاد المعاد" (4/229) .

(3) انظر أيضًا"المفهم" (5/285-286) .

(4) كما في"شرح معاني الآثار"للطحاوي (4/274) .

(5) كما في"مصنف ابن أبي شيبة" (24484) .

(6) في"شرح معاني الآثار" (4/274 و276) ، ونحوه في"مشكل الآثار" (5/347) .

(7) في"شعب الإيمان" (10/525) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت