الصفحة 100 من 133

الألِفِ التى هي المدُّ الطبيعيُّ صارَ الجميعُ ثلاثةً وهو التوسُّطُ فعُلمَ بذلك أن المرادَ بالتوسُّطِ نصفُ الزيادةِ مع المدِّ الطبيعيِّ لا أن المرادَ نصفُ جميعِ الألِفاتِ وقولُه مسْجَلا أي مُطلقًا أي سواءً كان السكونُ مَحضًا أم مع إشمامٍ بخلافِ الوقْفِ بالرَّوْمِ فإنه كالوصْلِ لوجودِ بعضِ الحركةِ إذ البعضُ كالكلِّ.

تنبيهٌ: ذكَرَ صاحبُ نهايةِ القولِ المفيدِ ما يلي: ثم إن هذه الألِفاتِ المذكوراتِ قدْرُ كلِّ ألِفٍ منها حركتان عربيَّتان، وكان مشايخُنا يُقدِّرون لنا ذلك بحركاتِ الأصابعِ أي قبْضًا أو بسْطًا، وذلك يكونُ بحالةٍ متوسِّطةٍ ليست بسرعةٍ ولا بتَأَنٍّ فاعلمْ ضبْطَ ذلك لتكونَ على يقينٍ في ضبْطِ كلِّ مرتبةٍ ومن قالَ بأنَّ أطولَ المدِّ خمسُ ألِفاتٍ فعندَه مِقدارُ كلِّ ألِفٍ حركةٌ فتكونُ الجُملةُ ستَّ حركاتٍ لأنه يريدُ غيرَ ما فيه من المدِّ الطبيعيِّ ومقدارُه عندَه حركةٌ وكذا من قالَ بأن مقدارَ التوسُّطِ ثلاثُ ألِفاتٍ فإنه يُريدُ غيرَ ما فيه من المدِّ الطبيعيِّ، انتهى.

تنبيهٌ آخَرُ: إذا اجتَمعَ مدَّان متَّصلان مثلُ {وَأَنْزَلَ مِن السَّمَاءِ مَاءً} (البقرة: آية 22) فلا يَجوزُ التَّفرِقةُ بينَهما في المدِّ بحُجَّةِ جوازِ الوجهين في كلٍّ منهما، فلا يَجوزُ مدُّ أحدِهما على قصْرِ الآخَرِ بل يَجبُ التسويةُ، وكذلك إذا اجتَمعَ مدَّان منفصلان، لقولِ ابنِ الجَزْرِيِّ (واللفظُ في نظيرِه كمثلِه) .

بابُ الوقْفِ والابتداءِ وما يَتعلَّقُ بهما:

لما فرَغَ الناظمُ من الكلامِ على المدِّ شرَعَ في الكلامِ على الوقْفِ والابتداءِ فقالَ:

73 -وبعدَ تجويدِك للحروفِ ... لابدَّ مِنْ معْرِفَةِ الوُقُوفِ

74 -والابتِداءِ وهي تنقسِمُ إذنْ ... ثلاثةٌ تامٌّ وكافٍ وحسَنْ

أيْ بعدَ ما أَتْقَنْتَ أيُّها القارئُ مَخارجَ الحروفِ وصفاتِها والإدمانَ في تجويدِها وتلاوتِها، وكيفيَّةَ النطقِ بها لابدَّ لك من معرفةِ الوقْفِ والابتداءِ، ومعرفةُ الوقْفِ والابتداءِ متأكِّدٌ غايةَ التأكيدِ وهو من متعلِّقاتِ التجويدِ إذ لا يَتبيَّنُ معنى كلامِ الله ويَتمُّ على أكمَلِ وجهٍ إلا بذلك فربما قارئٌ يَقرأُ ويقِفُ قبلَ تمامِ المعنى فلا يَفهمُ هو ما يَقرأُ ومن يَسمعُه كذلك، ويَفوتُ بسببِ ذلك ما لأجلِه يُقرأُ كتابُ اللهِ ولا يَظهرُ مع ذلك وجهُ الإعجازِ بل قد يُفهمُ من ذلك غيرُ المعنى المرادِ وهذا فسادٌ عظيمٌ.

ولهذا اعتَنَى بعلْمِه وتعليمِه والعملِ به المتقدِّمون والمتأخِّرون وألَّفُوا في ذلك من الدواوين المطوَّلةِ والمتوسِّطةِ والمختصَرةِ ما لا يُعدُّ كثرةً ومن لم يَلتفتْ لهذا ويقِفْ أين شاءَ، فقد خرَقَ الإجماعَ وحادَ عن إتقانِ القراءةِ وتمامِ التجويدِ وهو الغالبُ في قراءةِ قرَّاءِ زمانِنا فإيَّاكَ إيَّاكَ أيُّها القارئُ أن تَفعلَ مثلَهم، والدليلُ على وُجوبِ تعلُّمِ الوقْفِ والابتداءِ من قولِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابِه ما يلي: حديثُ أبى بَكرةَ أن جبريلَ عليه السلامُ: أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقالَ: اقْرأ الْقُرْآنَ على حرفٍ، فقالَ ميكائيلُ: استزِدْه فقالَ: اقرأْ على حرفَيْن فقالَ ميكائيلُ: استزِدْه حتى بَلغَ سبعةَ أحرُفٍ، ثم قالَ: كلٌّ شافٍ كافٍ ما لم تَختمْ آيةَ عذابٍ بآيةِ رحمةٍ، أو آيةَ رحمةٍ بآيةِ عذابٍ. ورُويَ عن ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: لقد عِشْنا برهةً من دهرِنا، وإن أحدَنا ليُؤْتى الإيمانَ قبلَ القرآنِ، وتَنزلُ السورةُ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فنَتعلَّمُ حلالَها وحرامَها، وأمرَها وزجرَها، وما يَنبغي أن يُوقفَ عندَه منها، وقالَ عليٌّ رضيَ اللهُ عنه لما سُئلَ عن قولِه تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} (المزمل: آية 4) الترتيلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت