الصفحة 101 من 133

معرفةُ الوقوفِ وتجويدُ الحروفِ، وقال ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما: يوقَفُ عندَ قولِه تعالى {أِنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} (غافر: آية 6) ، مقدارُ ما يَشربُ الشربةَ من الماءِ، وقال غيرُه مقدارَ ما يُقالُ: أعوذُ باللهِ من النارِ ثلاثَ مراتٍ، وقال ابنُ الْجَزْرِيِّ في النشْرِ، بعد أن ذكَرَ ما قدَّمناه عن عليٍّ وابنِ عمرَ، ففي كلامِ عليٍّ رضيَ اللهُ عنه دليلٌ على وجوبِ تعلُّمِ الوقْفِ والابتداءِ ومعرفتِه وفي كلامِ ابنِ عمرَ برهانٌ على أن تعلُّمَه إجماعٌ من الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم.

ومن ثَمَّ اشتَرطَ كثيرٌ من أئمَّةِ الخلَفِ على المُجيزِ ألَّا يُجيزَ أحدًا إلا بعدَ معرفةِ الوقْفِ والابتداءِ، وفي نهايةِ القولِ المفيدِ ورُويَ أن رجلَيْن أَتَيَا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فتشهَّدَ أحدُهما فقالَ: من يُطِع اللهَ ورسولَه فقد رَشدَ ومن يَعصِهما ووقَفَ، فقالَ له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قُمْ بئسَ الخطيبُ أنتَ قلْ: ومنْ يَعصِ اللهَ ورسولَه فقد غَوى، ففي هذا الخبرِ دليلٌ واضحٌ على كراهةِ الوقْفِ على المستبْشَعِ من اللفظِ المتعلِّقِ بما يُبيِّنُ حقيقتَه ويدلُّ على المرادِ منه، لأنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إنما ذمَّ الخطيبَ وأقامَه، لما قطَعَ على ما يَقبحُ إذ جمَعَ بقطعِه بينَ حالِ من أطاعَ ومن عَصى ولم يَفصلْ بينَهما، يقولُ صاحبُ نهايةِ القولِ المفيدِ معلِّقًا على هذا الحديث: فإذا كان مثلُ هذا مكروهًا مستبشَعًا في الكلامِ الجاري بينَ المخلوقين فهو في كلامِ اللهِ تعالى أشدُّ كراهةً واستبشاعًا، وتجنُّبُه أَوْلى وأحقُّ، فيجبُ علينا أن نَهتَمَّ بمعرفةِ الوقْفِ والابتداءِ خُصوصًا القائمين على مراجعةِ المصاحفِ وطباعتِها، فعَلَيهم أن يَعتمدوا الكتُبَ الصحيحةَ المؤلَّفَةَ في هذا الشأنِ، ولا يعملون برأيِهم وهم على درجةٍ أقلَّ من مستوى العلماءِ في اللغةِ العربيَّةِ المتخصِّصين في هذا الفنِّ، ومع ذلك يقولون: إن هذه الكُتبَ يُستأنسُ بها فقط ويَعملُ برأيه مخالِفًا لها تكبُّرًا وعِنادًا، وابتغاءً للشهرةِ ظنًّا منه أنه سيكونُ في نظَرِ الناسِ أعلى ممن تتَلمَذَ عليهم وانتفعَ بكتبِهم، ويقولون: المصحفُ لم يكن فيه هذه العلاماتُ على عهدِ عثمانَ رضيَ اللهُ عنه وينْسونَ أن الذين وَضعُوها - أي علاماتِ الوقفِ - من العلماءِ الذين درَسوا اللغةَ والتفسيرَ والبلاغةَ، بدرجةٍ كبيرةٍ ليس هناك نسبةٌ بينَ هؤلاءِ المحدَثين والقدماءِ في هذا المجالِ، هدانا اللهُ وإيَّاهم.

إذا علمْتَ هذا أيُّها القارئُ، فاعلَمْ أن الوقْفَ في اللغةِ الكفُّ عن القولِ والفعلِ.

وفي الاصطلاحِ: قطْعُ الصوتِ على آخِرِ الكلمةِ الوضعيَّةِ زمنًا يُتنفَّسُ فيه عادةً بنيَّةِ استئنافِ القراءةِ، فقولُنا: قطْعُ الصوتِ: جنسٌ يَشملُ الوقفَ والسكْتَ والقطعَ وقولُنا على آخِرِ الكلمةِ الوضعيَّةِ نحوَ: {كُلَّمَا} فإن آخِرَها وضْعًا الألفُ وقولُنا زمنًا يُتنفَّسُ فيه، فصلٌ آخَرُ أخرَجَ السكْتَ، فإنه قطْعُ الصوتِ زمنًا من غيرِ تنفُّسٍ. وقولُنا بنيَّةِ استئنافِ القراءةِ خرَجَ به القطْعُ أي قطْعُ القراءةِ بدونِ الرجوعِ إليها. وقولُنا عادةً فصلٌ آخَرُ أخرَجَ القطْعَ أيضًا فإنه الإعراضُ عن القراءةِ بالكليَّةِ، والسببُ الداعي إلى معرفةِ الوقْفِ والابتداءِ كما قالَه الناظمُ رحِمَه اللهُ تعالى: أنه لما لم يُمَكَّن القارئُ أن يَقرأَ السورةَ أو القصَّةَ في نفَسٍ واحدٍ ولم يَجزْ التنفُّسُ بينَ كلمتين حالةَ الوصْلِ بل ذلك كالنفَسِ في أثناءِ الكلمةِ وَجبَ حينئذٍ اختيارُ وقْفٍ للتنفُّسِ فيه والاستراحةِ وتعيَّنَ أيضًا ابتداءٌ بعدَ التنفُّسِ والاستراحةِ، وتَحتَّمَ أن لا يَكونَ ذلك مما يُحيلُ المعنى، ولا يُخلُّ بالفهْمِ إذ بذلك يَظهرُ الإعجازُ ويَحصلُ القصدُ، وكذلك حضَّ الأئمَّةُ على تعليمِه ومعرفتِه كما قدَّمْنا.

ثم اعلمْ أيُّها القارئُ أن الوقْفَ ثلاثةُ أقسامٍ، اختباريٌّ بالموحَّدةِ، واضطراريٌّ واختياريٌّ بالياءِ المثنَّاةِ من تحتَ.

فالاختباريُّ بالموحَّدةِ، متعلِّقُه الرسمُ العثمانيُّ لبيانِ المقطوعِ من الموصولِ، والهاءِ المربوطةِ من التاءِ المجرورةِ والثابتِ من المحذوفِ من حروفِ المدِّ، ويَلحقُ بهذا الوقْفِ وقفُ القارئِ لإعلامِ غيرِه بكيفيةِ الوقفِ على الكلمةِ بكونِه عالمًا بها ولهذا يُسمَّى اختباريًّا وحكْمُه الجوازُ بشرطِ أن يَبتدئَ الواقفُ بما وَقفَ عليه ويصلَه بما بعدَه، ويأتي الكلامُ عليه قريبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت