الصفحة 103 من 133

قال في النشْرِ: قد يَتفاضلُ التامُّ في التمامِ نحوَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، كلاهما تامٌّ، إلا أن الأوَّلَ أ من الثاني لاشتراكِ الثاني مع ما بعدَه في معنى الخطابِ، بخلافِ الأوَّلِ ا هـ.

وسُمِّيَ تامًّا لتمامِ لفظِه وانقطاعِ ما بعدَه عنه في اللفظِ والمعنى، ومثالُ الكافي، {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (البقرة: آية 3) {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} (البقرة: آية 4) ، {أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} (البقرة: آية 5) ، وسُمِّيَ كافيًا لكفايتِه مع وجودِ التعلُّقِ المعنويِّ نظرًا إلى عدمِ التعلُّقِ اللفظيِّ، ويُسمَّى أيضًا مفهومًا، واحتجَّ له الداني بما في صحيحِ البخاريِّ وغيرِه عن عبدِ اللهِ ابنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه، قالَ: قالَ لي النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ، قلتُ: أَأَقرأُ عليكَ وعليكَ أُنزلَ؟ قالَ: فَأُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فقرأتُ عليه سورةَ النساءِ حتى إذا بلغتُ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} .

فقال: أَمْسِكْ. فإذا عيناه تَذرِفان ا هـ. وهو استدلالٌ ظاهرٌ لأن القطْعَ أبلغُ من الوقْفِ والوقْفُ عليه كافٍ، فلو كان الوقْفُ عليه غيرَ سائغٍ ما أَمَرَ به صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مع قرْبِ التامِّ المجمَعِ عليه، وهو (حديثًا) بعدَه ومثالُ الوقْفِ الحسَنْ الذي يَجوزُ الوقفُ عليه ولا يَجوزُ الابتداءُ بما بعدَه كالوقفِ على {الْحَمْدُ لِلَّهِ} فإنك إذا وقفْتَ عليه، وابتَدأتَ بربِّ العالمين فقد فصَلْتَ بينَ النعْتِ والمنعوتِ وابتدأتَ بمجرورٍ، ولا يَجوزُ ذلك لأن المجرورَ معمولٌ، والعاملُ والمعمولُ كشيءٍ واحدٍ، ولأنك إذا ابتدأْتَ بشيءٍ فقد عرَّيْتَه عن العواملِ اللفظيَّةِ، وهو المبتدأُ، والمبتدأُ مرفوعٌ وهو مخفوضٌ، ومثالُ الحسَنِ الذي يَجوزُ الوقْفُ عليه والابتداءُ بما بعدَه كالوقْفِ على {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وعلى {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ولجوازِ الوقْفِ عليه والابتداءِ بما بعدَه أمرَان:

الأوَّلُ: أن رءوسَ الآيِ فواصلُ بمنزلةِ فواصلِ السجْعِ والقوافي.

الثاني: أن النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقفُ على رءوسِ الآيِ، بل جَعلَ جماعةٌ الوقفَ على رءوسِ الآيِ سنَّةً، واستدلُّوا على ذلك بحديثِ أمِّ سلمةَ رضيَ اللهُ عنها، أن النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا قرأَ قَطَّعَ قراءتَه آيةً آيةً يقولُ: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ثم يَقفُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ثم يَقفُ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، ويُسَمَّى أيضًا صالحًا، وإنما ذكَرُوه ليتَّسِعَ الأمرُ على القارئِ فربما ضاقَ نفسُه قبل الوصولِ إلى التمامِ أو الكافي.

لاسيَّما من كان ضيِّقَ الحنجرةِ ثم لا يَستطيعُ أن يَتكلَّمَ بكلامٍ كثيرٍ في نفَسٍ واحدٍ.

فيقفُ على الجائزِ فهو أَوْلى من الوقوفِ على كلامٍ لم تَحصُلْ لسامعِه فائدةٌ.

والثاني وهو الذي لا يَتمُّ معناه عندَ الوقفِ يُسمَّى قبيحًا، وقد أشارَ له الناظمُ بقولِه:

77 -وغيرُ ما تَمَّ قبيحٌ ولهُ ... يُوقفُ مضطرًّا ويُبدَا قبلَهُ

أي يَمتنعُ على القارئِ أن يَقفَ على موضعٍ لم يَتمَّ الكلامُ فيه ولم يَنقطعْ عمَّا بعدَه لا لفظًا ولا معنًى، ولا معنًى فقط، وللقارئِ أن يَقفَ عليه حالَ اضطرارِه لانقطاعِ نفَسٍ أو نحوِه، ومن ثم سُمِّيَ هذا الوقفُ وقفَ الضرورةِ، لكن إذا وَقفَ عليه أن يَبتدئَ بالكلمةِ التي وَقفَ عليها ليَصلَ الكلامَ بعضَه ببعضٍ، ومثالُه: الوقْفُ على المضافِ دونَ المضافِ إليه، وعلى الرافعِ دونَ مرفوعِه، وعلى الناصبِ دونَ منصوبِه، وعلى الشرْطِ دونَ جوابِه، وعلى الموصوفِ دونَ صفتِه، إذا لم يَتمَّ معناه بدونِها وعلى المعطوفِ عليه دونَ المعطوفِ، إلا إذا كَثُرَت المعطوفاتُ، وطالَ الكلامُ وعَجَزت الطاقةُ عن بلوغِ الوقفِ فيَجوزُ، أو كان عطفَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت