الصفحة 104 من 133

جملةٍ على جملةٍ أيضًا فيَسوغُ لأنهما يَجريان مجْرَى الجملتين المستغنيَةِ إحداهُما عن الأُخرى، فاللَّاحقةُ كالمنفصِلةِ عن السابقةِ, وأقبحُ من الوقْفِ القبيحِ ما يُفسدُ المعنى لإيهامِه خلافَ المقصودِ كقولِه تعالى: {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ} (النساء: آية 11) إن وَقفَ على أبويه لأنه يُوهم أن النصْفَ للبنتِ وللأبوين، وليس كذلك بل البنتُ لها النصْفُ والأبوان لكلٍّ منهما السدُسُ، على التفصيلِ المأخوذِ من الآيةِ، فالوقْفُ على النصْفِ وهو كافٍ، ومثلُه {وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} (هود: آية 6) إن وُقفَ على (بِجَنَاحَيْهِ) لأنه يُوهمُ نفْيَ ما هو مشاهدٌ وهو مكابرةٌ وجحْدٌ للضرورةِ، فالوقفُ على أمثالِكم، وهو كافٍ، ومثلُه {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ} (الإنسان: آية 31) إذا وُقفَ على الظالمين لأنه يُوهم أن الظالمين داخلون في رحمةِ اللهِ وليس كذلك.

وأقبحُ من هذا ما أَوْهمَ فسادَ المعنى، وفيه سوءُ أدَبٍ مع اللهِ تعالى: كقولِه تعالى: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (البقرة: آية 258) إن وُقفَ على الجلَالةِ إذ ما فيه من فسادِ المعنى وسوءِ الأدبِ ظاهرٌ لا يَنبغي لأحدٍ التفَوُّه به ومثلُ هذا في القُبحِ أو أقبحُ منه، أن يَقفَ على المنفيِّ الذي يأتي بعدَه الإيجابُ وفي الإيجابِ إثباتُ وصْفٍ له جلَّ وعَلا، أو لرُسلِه نحوَ: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ} (محمد: أية 19) إن وُقفَ على إله، ومثلُ {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} (الإسراء: آية 105) إن وُقفَ على أَرْسَلْنَاكَ.

والحاصلُ أن القارئَ يُندبُ له الوقْفُ على التامِّ فإن لم يُمكنْه ذلك أو يُمكنْه ولكن يَشقُّه فيقفَ على الكافي، فإن لم يُمكنْه، فعلى الجائزِ ويُعيدُ ما وَقفَ عليه، إلا أن يكونَ رأسَ آيةٍ، ولا يَعدلُ عن هذه إلى المواضعِ التي يَقبحُ الوقفُ عليها إلا من ضرورةٍ وإن لم يَفعلْ فإن لم يَحصُلْ فسادٌ في المعنى عُوتِبَ ولا إثمَ عليه، وإلا أثِمَ. ثم قالَ الناظمُ رحِمَه اللهُ تعالى:

78 -وليس في القرآنِ من وقفٍ وَجَبْ ... ولا حرامٌ غيرَ ما له سببْ

أخبرَ الناظمُ رحِمَه اللهُ تعالى: أنه ليس في الْقُرْآنِ وقفٌ واجبٌ إذا ترَكَه القارئُ أَثِمَ ولا حرامٌ إذا فعلَه أثِمَ لأن الوقفَ والوصلَ لا يَدلَّان على معنى حتى يَختلَّ بذهابِهما: والحاصلُ منهما إيهامُ خلافِ المرادِ في المواضعِ التي نُهِيَ عن الوقفِ عليها، أو أُمِرَ به، إنما هو لتوهُّمِ السامعِ استقلالَ ما بعدَها، أو اتِّصالَه مع كونِه خلافَ الواقعِ، فليس التوهُّمُ من ذاتِ الوقْفِ والوصلِ، فلا يكونُ الوقْفُ واجبًا ولا حرامًا، إلا أن يكونَ له سببٌ يَستدعي تحريمَه، فيَحرمُ كأن يَقصدَ الوقْفَ على {مَا مِنْ إِلَهٍ} ، {إِنِّي كَفَرْتُ} ونحوِهما من غيرِ ضرورةٍ، هذا إذا كان قلبُه مطمئِنًّا بالإيمانِ وإلا فقدْ خرَجَ عن دِينِ الإسلامِ، أعاذنا اللهُ من ذلك، فإن لم يَقصدْ ذلك لم يَحرُمْ، ومع عدَمِ القصْدِ فالأحسَنُ أن يَجتنبَ الوقْفَ على مثلِه بالتيقُّظِ وعدَمِ الغفلةِ دفعًا لإيهامِ أنه وَقفَ على ذلك عمْدًا.

واعلمْ أن الابتداءَ يُطلبُ منه ما يُطلبُ في الوقْفِ، فلا يكونُ إلا بمستقلٍّ في المعنى، موفٍ بالمقصودِ، يُستفادُ منه معنًى صحيحٌ، بل هو آكَدُ، إذ اعتبارُ حسْنِ مطالِعِ الكلامِ، وأوائلِه، أَوْلى من مُنتهاه وآخِرِه، ولأنه لا يكونُ إلا اختيارًا بخلافِ الوقْفِ، فربَّما تَدعو إليه ضرورةٌ، وتَتفاوتُ مراتبُه كتَفاوتِ مراتبِ الوقْفِ من التامِّ، والكافي والحسَنِ، وقد يكونُ الابتداءُ قبيحًا، كالوقْفِ ويَتفاوتُ في القبْحِ، فلو وُقفَ على {مَرَضٌ} من قولِه تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ} (الأحزاب: آية 12) ، أو على {مَا وَعَدَنَا اللهُ} (الأحزاب: آية 12) ضرورةً كان الابتداءُ بالجلالةِ قبيحًا وبـ (وَعَدَنَا) أقبحَ منه، وبـ (ما) أقبحَ منهما. وقد يكونُ الابتداءُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت