الصفحة 125 من 133

ومنها ما يكونُ أوَّلُها ساكنًا والابتداءُ بالساكنِ غيرُ مَقدورٍ عليه بل ومُحالٌ، ومن ثَمَّ احْتِيجَ إلى اجتلابِ همزةٍ زائدةٍ في أوَّلِ هذه الكلمةِ هي همزةُ الوصْلِ ليُتوصَّلَ بها إلى النطقِ بالساكنِ الموجودِ في أوَّلِ هذه الكلمةِ.

وعلى هذا فتعريفُ همزةِ الوصْلِ: هي الهمزةُ الزائدةُ في أوَّلِ الكلمةِ، الثابتةُ في الابتداءِ، الساقطةُ في الدرْجِ (أي في الوصْلِ) نحوَ قولِه تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} (النمل: آية 59) ، وهنا نجد أن كلمةَ"الحمد""الذين""اصطفى"الهمزةُ فيها هي همزةُ وصْلٍ لسقوطِها في الوصْلِ أي وصْلِ هذه الكلماتِ بما قبلَها وثبوتِها في الابتداءِ إذا ابتُدِئَ بها وسُمِّيَتْ بهمزةِ الوصْلِ لأنها يُتوصَّلُ بها إلى النطقِ بالساكنِ كما مَرَّ ولذا سَمَّاها الخليلُ بنُ أحمدَ سُلَّمُ اللسانِ فتأمَّلْ.

وأما مواضعُها: ففي الأسماءِ والأفعالِ والحروفِ وتارةً تكونُ قياسيةً، وهو الأكثرُ ورودًا وتارةً سماعيَّةً وهو الأقلُّ، وفيما يلي الكلامُ على كلِّ موضعٍ جاءتْ فيه بانفرادٍ.

الكلامُ على وجودِ همزةِ الوصْلِ في الأفعالِ وبيانِ حركةِ البدءِ بها:

وهي في الأفعالِ قياسيَّةٌ، ولا تُوجدُ إلا في الفعلِ الماضي والأمرُ, أما وجودُها في الماضي فلا يكونُ إلا في الخماسيِّ والسُّداسيِّ.

فالماضي الخماسيُّ نحو: (اعتدى) و (اشترى) ، نحوَ قولِه تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} (البقرة: آية 194) ، وقولِه تعالى: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} (التوبة: آية 111) وما إلى ذلك.

والماضي السداسيُّ نحوَ: (استسقَى) و (استنصَرَ) في قولِه تعالى: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ} (البقرة: آية 60) ، وقولِه سبحانَه: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} (الأنفال: آية 72) ، وما شابَه ذلك.

وأما وجودُها في فعلِ الأمرِ فمقيَّدٌ بأمْرِ الثلاثيِّ والخماسيِّ والسداسيِّ.

فالأمرُ من الثلاثيِّ نحوَ: (اضرب) و (انظر) و (ادع) في قولِه تعالى: {فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ} (البقرة: آية 60) ، وقولِه تعالى: {وَقَالَتِ اخْرُجْ} (يوسف: آية 31) ، {انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (المائدة: آية 75) ، وقولِه تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل: آية 125) ، وشِبهِ ذلك.

والأمْرُ من الخماسيِّ نحوَ قولِه تعالى: {ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ} (النساء: آية 171) ، وقولِه تعالى: {قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} (الأنعام: آية 158) ، ونحوَ ذلك.

والأمْرُ من السداسيِّ نحوَ (استغفر) و (استأجره) في قولِه تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُم أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} (التوبة: آية 80) ، وقولِه تعالى: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ} (القصص: آية 26) ونحوَ ذلك.

هذا: وخَرَجَ بوجودِ همزةِ الوصْلِ في الفعْلِ الماضي والأمرِ، الفعلُ المضارعُ فإنها لا تُوجدُ فيه مطلَقًا وأنها لا تكونُ فيه إلا همزةَ قطْعٍ.

وخرَجَ بقيدِ الخماسيِّ والسداسيِّ من الماضي الثلاثيِّ والرباعيِّ، منه كأمَرَ وأذِنَ وأكرَمَ في قولِه تعالى: {أَمَرَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} (يوسف: آية 40) ، وقولِه تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} (الحج: آية 39) ، وقولِه تعالى: {فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ} (الفجر: آية 15) ، وقولِه تعالى: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} (يوسف: آية 23) ، فالهمزةُ فيها همزةُ قطْعٍ مفتوحةٌ وصْلًا وابتداءً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت