الصفحة 26 من 133

بأنه لازمٌ لكل فردٍ وأن من لم يتعلَّمْه آثمٌ، والناظمُ - رحِمَه اللهُ - لا يريدُ بقولِه"من لم يجوِّد الْقُرْآنَ آثمٌ"التجويدَ العِلْمِيَّ ولكنَّه يقصِدُ التجويدَ العمَلِيَّ وهي القراءةُ الفعليَّة من القرَّاءِ وأئمَّةِ المساجدِ ونحوِهم ممن يقرأُ القرآنَ كلَّه أو بعضَه، أمَّا التجويدُ العمَليُّ لمن يَحفظُ القرآنَ كلَّه أو شيئًا منه، ولو آيةً فحكْمُ التجويدِ بالنسبةِ له واجبٌ شرعيٌّ ومن يَتركُه ويقرأُ القرآنَ بدونِه يكونُ آثمًا؛ لأنه تركَ واجبًا شرعيًّا يأثمُ بتركِه ويُثابُ على فعلِه لما يترتَّبُ على تركِ التجويدِ من تَغييرِ معاني القرآنِ أو استبدالِ حرفٍ بآخرَ وتَسبُّبٍ في إفسادِ معاني القرآنِ وهذا ما لا يَقبلُه مسلمٌ غَيُورٌ على كتابِ اللهِ، والناسُ في ذلك بينَ محسِنٍ مأجورٍ ومسيءٍ آثمٍ أو معذورٍ، فمن قدَرَ على تصحيحِ كلامِ اللهِ تعالى باللفظِ الصحيحِ العربيِّ الفصيحِ وعَدَلَ إلى اللفظِ الفاسدِ الأعجميِّ أو النَبَطِيِّ القبيحِ استغناءً بنفسِه، واستبدادًا برأيِه وحدَه، واتِّكالًا على ما ألِفَ من حفظِه واستكبارًا عن الرجوعِ إلى عالِمٍ يُوقفُه على صحيحِ لفظِه فإنه مقصِّرٌ بلا شكَّ وآثمٌ بلا رَيْبَ وعاصٍ بلا مِرْيَةٍ، فقد قالَ رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ ولِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) .

أمَّا من كان لا يُطاوعُه لسانُه، أو لا يَجدُ من يَهديه إلى الصوابِ، أي كأن نَشأَ ببلدةٍ بعيدةٍ عن الإسلامِ ولا يَجدُ ما يَرتحلُ به لأجلِ التعليمِ فلا يُكلِّفُ اللهُ نفسًا إلَّا وُسعَها. انتهى. وفائدةُ التجويدِ العملِيِّ هو: التحرُّزُ والتحفُّظُ من اللَّحنِ في القراءةِ، واللَّحنُ معناه الخطأُ والميْلُ عن الصوابِ، واللَّحنُ قسمان: جلِيٌّ، وخفِيٌّ، وهو بقِسمَيْه خَلَلٌ يطرأُ على الألفاظِ فيُخِلُّ بالمعنى، إلَّا أن الجَلِيَّ يُخلُّ إخلالًا ظاهرًا يَشتركُ في معرفتِه علماءُ القراءةِ وغيرُهم، كإبدالِ حرفٍ بآخرَ ورفعِ المنصوبِ وخفْضِ المرفوعِ وتشديدِ المخفَّفِ وتخفيفِ المشدَّدِ، والخفِيُّ يُخلُّ إخلالًا لا يَعرفُه إلَّا علماءُ القراءةِ وأئمَّةُ الأداءِ، وهو ألَّا يُوَفِّيَ الحرفُ حقَّه كأن يُقصِّرَ القارئُ في صِفةِ الحرفِ التي استحقَّها، كتركِ الإخفاءِ، والإقلابِ والغُنَّةِ من حروفِها، أو يزيدُ على صفتِه التي استحقَّها كالإفراطِ في المُدودِ والتعسُّفِ في تفكيكِ الحروفِ فيَجبُ على القارئِ أن يُحكمَ النُّطقَ بكلِّ حرفٍ على حِدَتِه حتى يُوفِّيَ حقَّه، وإذا أَتقنَ ذلك بكلِّ حرفٍ منفرِدًا فليُعْمِلْ لسانَه بإحكامِه حالةَ التركيبِ؛ لأنه يَنشأُ عن التركيبِ ما لم يَنشأْ حالةَ الإفرادِ كما هو ظاهرٌ، فكم ممن يُحسنُ النُّطقَ بالحروفِ مفرَدةً لا يُحسنُ النُّطقَ بها مركَّبةً بحسْبِ ما يُجاورُها، من مُجانِسٍ ومقارِبٍ وقويٍّ وضعيفٍ، ومفخَّمٍ ومرقَّقٍ وغيرِ ذلك، فيَجذبُ القويُّ الضعيفَ ويَغلبُ المفخَّمُ المرقَّقَ، فيَصعُبُ على اللسانِ النُّطقُ بذلك على حقِّه المطلوبِ، إلَّا بالرياضةِ الشديدةِ حالةَ التركيبِ أيضًا فمَن أحكَمَ صحَّةَ التلفُّظِ حالةَ التركيبِ فقد حَصَّلَ حقيقةَ التجويدِ بالإتقانِ والتدريبِ.

هذا وقد ثَبتتْ فرضيَّةُ التجويدِ بالكتابِ والسنَّةِ وإجماعِ الأمَّةِ.

فأما الكتابُ فقولُه تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} (المزمِّل: آية 4) ، قالَ البيضاويُّ: أيْ: جوِّدْه تجويدًا، وقالَ غيرُه، أي ائْتِ به على تُؤَدَةٍ وتمَهُّلٍ وطمأنينةٍ. ورياضةُ اللسانِ، أي التَّكرارُ والمداوَمةُ على القراءةِ بترقيقِ المرقَّقِ، وتفخيمِ المفخَّمِ وقصْرِ المقصورِ، ومدِّ الممدودِ، وغيرِ ذلك، وقد جاءَ عن عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَه في قولِه تعالى {ورَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} أنه قالَ: هو تجويدُ الحروفِ ومعرِفةُ الوقوفِ، ولم يَقتصرْ سبحانه على الأمرِ حتى أكَّدَه بالمصدَرِ اهتمامًا وتعظيمًا له، ومن المعلومِ أن الخِطابَ للرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمرادُ أمَّتُه، لأنه كان يَقرأُ القرآنَ كما أُنزلَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت