فهرس الكتاب
وأما السنَّةُ: فمنها قولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ (رُبَّ قَارِئٍ لِلْقُرْآنِ وَالْقُرْآنُ يَلْعَنُهُ) ، أيْ: إذا أَخَلَّ بمَبانِيه أو معانيه أو بالعملِ بما فيه ومن جملةِ العملِ بما فيه ترتيلُه وتلاوتُه حقَّ تلاوتِه، لأن اللهَ أنزلَه مرتَّلًا مجوَّدًا، وقد وَصَلَ إلينا كذلك عن المشايخِ العارفِين بتحقيقِه وتدقيقِه المتَّصِلِ سندُهم بالنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن جبريلَ عن اللهِ عزَّ وجلَّ ا هـ.
ومنها ما رواه مالكٌ في موطَّئِه، والنسائيُّ في سُننِه عن حذيفةَ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنه قالَ: (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ، وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْفِسْقِ وَالْكَبَائِرِ، فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقْوَامٌ مِنْ بَعْدِي يُرَجِّعُونَ الْقُرْآنَ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ وَالرَّهْبَانِيَّةِ وَالنَّوْحِ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ مَفْتُونَةً قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ مَنْ يُعْجِبُهُمْ شَأْنُهُمْ) .
والمراد بالقراءةِ بِلُحُونِ العربِ: قراءةُ الإنسانِ بحسْبِ جِبِلَّتِه وطبيعتِه وسَليقتِه على طريقةِ عربِ العُرَبَاءِ الذين نزَلَ القرآنُ بلغتِهم، والمرادُ بلُحونِ أهلِ الفسقِ والكبائرِ، مراعاةُ الأنغامِ المستفادةِ من عِلمِ الموسيقى، ومعنى قولِه:"لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ"أيْ: لا تُقبلُ منهم ولا تُرفعُ؛ لأن من قرأَ القرآنَ على غيرِ ما أَنزلَ اللهُ ولم يُراعِ فيه ما أُجمِعَ عليه، فقراءتُه ليست قرآنًا وتَبطلُ به الصلاةُ كما قررَّه ابنُ حجرٍ في الفتاوى وغيرُه قال شيخُ الإسلامِ: والمراد بالذين لا يجاوزُ حناجرَهم الذين لا يتدبِّرونه ولا يَعملون به , ومن العملِ به تجويدُه وقراءتُه على الصفةِ المتلَقَّاةِ من الحضرةِ النبويَّةِ"."
الردُّ على من يُنكرُ التجويدَ: وبعد أن بيَّنَّا ضرورةَ التجويدِ وحُكمَه على قارئِ القرآنِ خُصوصًا أئمَّةَ المساجدِ والوُعَّاظَ ونحوَهم، وبَيَّنَّا أن من يَقرأُ القرآنَ أو شيئًا منه بدونِ تجويدٍ فهو آثمٌ، نَجدُ واحدًا يؤلِّفُ كتابًا و يُقلِّلُ من شأنِ التجويدِ ويَستهينُ به , ولا يرى فَرضيَّتَه كما نَسمعُ أحدًا من العلماءِ يُفتي بعدَمِ وجوبِ التجويدِ للقرآنِ وأنَّ ابنَ الجَزْرِيِّ لا حقَّ له في تأثيمِ من يَتركُه، ويقولون: كيف يأثمُ من يَتركُ التجويدَ؟ ويُضعِّفون الحافظَ ابنَ الجَزْرِيِّ في قولِه"من لم يجوِّد القرآنَ آثمٌ"وقد يكونُ هذا المُفتِي من العلماءِ الذين يَستمعُ الناسُ إليهم، ويَعملون بفتواهم - هدانا اللهُ وإيَّاهم -.
وهنا أسألُ هؤلاءِ العلماءَ والمؤلِّفين سؤالًا وأقولُ لهم: إذا كانت قراءةُ الْقُرْآنِ بدونِ تجويدٍ وبدونِ الأخْذِ عن المشايخِ المُسنِدين، تؤدِّي إلى تغييرِ معاني القرآنِ وتغييرِ إعرابِه وبالتالي إلى ضياعِ القرآنِ الذي هو دستورُنا، فهل تُوافقون على ذلك؟
الجوابُ: أعتقدُ أنه لا يوجدُ مسلمٌ غيُور على كتابِ اللهِ يوافقُ على ذلك، ويَمنعُ المحافَظةَ على كتابِ اللهِ في فتواه أو تأليفِه؛ ونضربُ أمثِلةً لتغييرِ معاني الكلماتِ القرآنيَّةِ بسببِ عدَمِ مراعاةِ التجويدِ، فمثلًا من لم يجوِّد القرآنَ يقرأُ الضادَ دالًا، كمن يَقرأُ {وَلَا الضَّالِّينَ} هكذا"ولا الدالِّينَ"فاللفظُ القرآنيُّ من الضلالِ ضِدُّ الهُدى، والثاني من الدَّلالةِ، والفرْقُ بينَهما ترقيقُ الضادِ حتى انقلبَتْ إلى دالٍ، ولو كان مجوَّدًا لعُرفَ أن الضادَ حرفٌ حقُّه التفخيمُ لأنه حرفٌ مستَعْلٍ مُطبَقٌ مستطيلٌ، مثالٌ آخَرُ: من يَقرأُ عسى من قولِه تعالى {عَسَى رَبُّهُ} (التحريم: آية 5) بالتحريمِ مثلًا يَقرؤُها من لم يجوِّد القرآنَ بالصادِ فيقولُ"عصَى ربُّه"والمعنى مختلِفٌ كما تَرى، والفرْقُ بينَهما في النُّطقِ أن غيرَ المجوِّدِ فخَّمَ السينَ فانقلبَتْ صادًا ولو كان مجوِّدًا ما فَعلَ ذلك، ومثالُ الطاءِ مع التاءِ، إذا فُخِّمَت التاءُ تتغيَّرُ إلى الطاءِ وإذا رُقِّقَت الطاءُ تصير تاءً، مثلُ"طَائِعِينَ"من الطاعةِ، يَقرؤُها من لم يجوِّد القرآنَ هكذا"تائعين"وهو لفظٌ لا معنى له، وكلُّ هذا يُعلمُ من علْمِ التجويدِ عن الشيوخِ المتقِنين، ومَثلٌ آخَرُ كلمةُ"أَتَى"من قولِه تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللهِ} (النحل: آية 1) بمعنى المجيءِ بالقصْرِ (أيْ من غيرِ مدٍّ) ، وإذا قُرئَتْ بالمَدِّ الطبيعيِّ، مثلَ كلمةِ"ءَاتَى"من قولِه تعالى: {وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} (البقرة: آية 177) فهي بمعنى الإعطاءِ والفرْقُ بينَ اللَّفْظتين أنها في موضعِ البقرةِ تُمَدُّ