فهرس الكتاب
مدًا طبيعيًّا لتُؤدِّيَ معنى الإعطاءِ وفي سورةِ النحلِ لا تُمَدُّ أصْلًا لتؤدِّيَ معنى المجيءِ، وقصْرُ المَدِّ الطبيعيِّ في مِثلِ قولِه تعالى {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى} {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} يُصَيِّرُ نونَ العظَمةِ نونَ النِّسوةِ وهذا على غير مرادِ اللهِ، والمدُّ وعدمُه يُعلمُ من علْمِ التجويدِ والشيوخِ المسندِين، ومن لم يجوِّد القرآنَ ولم يَقرَأْهُ على أحدِ الشيوخِ يَقْصُرُ الممدودَ ويَمُدُّ المقصورَ ويَصيرُ ذلك عادةً له، ومألوفًا لديه، فيقرأُ القرآنَ حسْبَ ما ألِفَه من تغييرٍ وتحريفٍ وقد يكون واعِظًا أو إمامًا في مسجدٍ فيَقتدي به الناسُ فيضيعُ القرآنُ بسببِ الاقتداءِ بهم، فيا أيُّها المسلمون اتَّقوا اللهَ في القرآنِ وحافِظوا عليه من التحريفِ ينصرْكم على أعدائِكم وقولوا قولًا سديدًا يُصلحْ لكم أعمالَكم ويَغفرْ لكم ذنوبَكم، ويا أيُّها المؤلِّفون والمُفتُونَ اعلَموا أن كلَّ علمٍ يُسألُ عنه أهلُه كما قالَ الإمامُ مالكٌ رحِمَه اللهُ تعالى؛ فلا تُفتوا في غيرِ تخصُّصاتِكم وحافِظوا على القرآنِ الكريمِ.
ثم إن الناظمَ رحِمَه اللهُ تعالى بيَّنَ علَّة وجوبِ تعلُّمِ عِلمِ التجويدِ حيثُ قالَ:
28.لأنَّه بِهِ الإلهُ أَنْزَلَا ... وهكَذَا مِنْه إلَيْنَا وَصَلا
ضميرُ لأنه يَرجعُ إلى القرآنِ أو ضميرُ الشأنِ وضميرُ به يَرجعُ إلى التجويدِ، أيْ: إنما وَجبَ تجويدُ القرآنِ الكريمِ لأن اللهَ سبحانه وتعالى أَنزلَه على نبيِّه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مجوَّدًا مرتَّلًا فيَجبُ على الشخصِ أن يقرأَه على الصفةِ التي أنزلَه اللهُ تعالى بها اقتداءً بالرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
وقولُه"وهكذا منه إلينا وَصَلا"وفي نسخةٍ وهكذا (عنه) إلينا وَصَلا، جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ، كأنَّ قائلًا قالَ له: مِن أينَ يُعلمُ كيفيَّةُ نزولِ الْقُرْآنِ حتى يُقرأَ كما أُنْزِلَ؟ فقالَ:"هكذا منه إلينا وَصَلا"أيْ: هكذا بالتجويدِ وَصلَ إلينا من ربِّنا، وذلك أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى أنزلَه إلى اللوْحِ المحفوظِ إلى جبريلَ عليه السلامُ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى الصحابةِ إلى التابعين رضيَ اللهُ عَنْهُم أجمعين إلى أئمَّة القرَّاء إلى الرُّواةِ إلى الطُّرُقِ، إلى أن وَصلَ إلينا عن شيوخِنا مُتواترًا كما أُنْزِلَ، قالَ تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} (النمل: آية 6) .
وأمَّا الإجماعُ: فقد أجمَعَت الأمَّةُ مِن لَدُنْهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى يومِنا هذا على وجوبِ التجويدِ، قالَ الإمامُ عَلَمُ الدين السخاويُّ رحِمَه اللهُ تعالى: جاءَ رجلٌ إلى نافعٍ أحدِ القرَّاءِ السبعةِ فقالَ: خُذْ على الحَدْرِ. فقالَ نافعٌ ما الحَدْرُ؟ ما أعرفُها أسمِعْنا. قالَ فقرأَ الرجلُ , فقالَ نافعٌ رضيَ اللهُ عنه: حُذِّرْنا ألَّا نُسقطَ الإعرابَ، ولا نُشدِّدَ مخفَّفًا، ولا نخفِّفَ مشدَّدًا، ولا نَقْصُرَ مَمدودًا، ولا نَمُدَّ مقصورًا قراءتُنا قراءةُ أكابرِ أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سهْلٌ جَزْلٌ لا نَمْضِغُ ولا نَلُوكُ، نسهِّلُ ولا نُشدِّدُ، نقرأُ على أصحِّ اللغاتِ وأَمضاها ولا نلتفتُ إلى أقاويلِ الشعراءِ، أو أصحابِ اللغاتِ، أصاغرَ عن أكابرَ، وقراءتُنا قراءةُ المشايخِ نَسمعُ القرآنَ، ولا نَستعملُ فيه الرأيَ، ثم قرأ نافعٌ رضيَ اللهُ عنه قولَه تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (الاسراء: آية 88) انتهى.
قالَ العلَّامةُ المسعديُّ في شرحِه: تنبيهٌ آخَرُ، يَنبغي للقارئِ إذا قرأَ نحوَ: قولِه تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ} (التوبة: آيه 30) {وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ} (التوبة: أية 30) و {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ} (المائدة: آية 64) {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا} (البقرة: آية 116) {قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ} (آل عمران: آيه 181) و {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} (المائدة: آية 73) ، أن يَخفِضَ صوتَه، كما كان يَفعلُه إبراهيمُ النَّخَعِيُّ رضيَ اللهُ عنه، نقلَه النوويُّ في التبيانِ، ثم كمَّلَ الناظمُ فقالَ: