الصفحة 29 من 133

29.وهو أيضًا حِليةُ التلاوةِ ... وزِينةُ الأداءِ والقرَاءةِ

أيْ: التجويدُ حِليةٌ وزِينةٌ لكلٍّ من التلاوةِ والأداءِ والقراءةِ، والفرْقُ بينَ الثلاثةِ، أن القراءةَ تلاوةُ الْقُرْآنِ مُتتابِعًا؛ كالأورادِ والأسباعِ، والدراسةُ والأداءُ هو الأخْذُ عن المشايخِ، والقِراءةُ تُطلقُ عليهما، فهي أعمُّ منهما.

تنبيهٌ: مَراتبُ التجويدِ ثلاثةٌ: التحقيقُ، والحَدْرُ، والتدويرُ، فالتحقيقُ مذهبُ وَرْشٍ وعاصمٍ وحمزةَ، وهو الطمأنينةُ والمبالَغةُ في الإتيانِ بالشيءِ على حقِّه من نحوِ إشباعِ المَدِّ وتحقيقِ الهمز وإتمامِ الحركاتِ إذ لا يكون معه غالبًا اختلاسٌ ولا قصْرٌ: ويُستحبُّ الأخْذُ به على المتعلِّمين من غيرِ تَجاوُزِ حدِّ الإفراطِ من تحريكِ السواكنِ وتوليدِ الحروفِ من إشباعِ الحركاتِ وتكريرِ الراءاتِ، وتطنينِ النوناتِ بالمبالَغةِ في الغُنَّاتِ كما قالَ إمامُ المحقِّقين حمزةُ رضيَ اللهُ عنه لمن يُبالِغُ في ذلك، أما علمْتَ أن ما كان فوقَ الجُعُودَةِ فهو قَطَطٌ، وما كان فوقَ البياضِ فهو بَرَصٌ وما كان فوقَ القراءةِ فليسَ بقراءةٍ، والترتيلُ نوعٌ من التحقيقِ عندَ الأكثرين, وفرَّقَ بعضُهم بينَهما بأنَّ التحقيقَ يكونُ للرياضةِ والتعليمِ والتمرينِ وأن الترتيلَ يكونُ للتدبُّرِ والتفكيرِ والاستنباطِ، فكلُّ ترتيلٍ تحقيقٌ ولا عكْسَ, والحَدْرُ بالدالِ المهمَلةِ الساكنةِ مذهَبُ ابنِ كثيرٍ وأبي عمرٍو وقالونَ، وهو الإسراعُ، فهو عبارةٌ عن إدراجِ الحروفِ وتخفيفِها بالقصْرِ والتسكينِ والاختلاسِ وغيرِ ذلك، مع تمكينِ الحروفِ وتفكيكِها وبيانِها، وإخلاصِ بعضِها من بعضٍ وإعطاءِ الحروفِ حقَّها من الحركاتِ والسَّكَنَاتِ والتشديدِ وغيرِ ذلك، مع ملاحظةِ الجائزِ من الوقوفِ، إذ مراعاةُ الوقْفِ والابتداءِ وُجوبًا وامتناعًا، وحَسَنًا وقبيحًا على ما يأتي بيانُه من مَحاسنِ القراءةِ، يَزيدُها رَوْنَقًا وبَهاءً والتدويرُ مذهبُ ابنِ عامرٍ والكِسائيِّ وهو التوسُّطُ بينَ المقامَيْن، وما ذُكِرَ من تخصيصِ كلِّ مَرتبةٍ ببعضِ القرَّاءِ، هو الغالبُ على قراءةِ القرَّاءِ السبعةِ، وإلا فكلُّ القرَّاءِ يُجيزون كُلًّا من المراتبِ الثلاثةِ المتقدِّمةِ.

(تَتِمَّةٌ)

اختلفَ العلماءُ - رحمَهم اللهُ - في الأفضلِ هل هو الترتيلُ مع قلَّةِ القراءةِ، أو السرعةُ مع كثرةِ القراءةِ، فذهبَ بعضُهم إلى الثاني تمسُّكًا بما رواه ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلم أنه قالَ: (مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) الحديثُ، قالَ الناظمُ رحِمَه اللهُ تعالى في النَّشْرِ: وأحسَنَ بعضُ أئمَّتِنا، فقال: إن ثوابَ قراءةِ الترتيلِ والتدبُّرِ أجَلُّ وأرفَعُ قدْرًا، وإن ثوابَ كثرةِ القراءةِ أكثرُ عددًا فالأوَّلُ كمن تصدَّقَ بجوهرةٍ عظيمةٍ أو أَعتقَ عبدًا من العبيدِ قيمتُه نفيسةٌ، والثاني: كمن تصدَّق بعددٍ كثيرٍ من الدراهمِ، أو أعتقَ عددًا كثيرًا من العبيدِ قيمتُهم رخيصةٌ.

وقالَ الإمامُ أبو حامدٍ الغزاليُّ رحِمه اللهُ: واعلمْ أن الترتيلَ مستحَبٌّ لا لمُجرَّدِ التدبُّرِ فإن العَجَميَّ الذي لا يَفهمُ معنى القرآنِ يُستحَبُّ له أيضًا القراءةُ بالترتيلِ والتُّؤَدَةِ؛ لأن ذلك أقربُ إلى التوقيرِ، والاحترامِ وأشدُّ تأثيرًا في القلبِ من الاستعجالِ والهَذْرَمَةِ، ثم أخذَ الناظمُ في تعريفِ التجويدِ فقالَ:

30.وهو إعطاءُ الحروفِ حقَّها ... من صِفةٍ لها ومستحَقَّها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت