الصفحة 30 من 133

اعلم أن التجويدَ في اللغةِ: التحسينُ، وفي الاصطلاحِ: ما ذَكرَه الناظمُ رحِمَه اللهُ تعالى في هذا البيتِ من إعطاءِ الحروفِ حقَّها من صفاتِها السابقةِ ذاتيَّةً كانت أم عرَضِيَّةً، ومستحَقَّها مما يَنشأُ عن صفاتِها الذاتيَّةِ مع بلوغِ الغايةِ والنهايةِ في إتقانِها وتحسينِها وخُلوِّها من الزيادةِ والنقصِ.

تنبيهٌ

الفرْقُ بينَ حقِّ الحروفِ ومستحقِّها:

اعلمْ أن حقَّ الحروفِ صفاتُها الذاتيَّةُ اللازمةُ لها كالجهْرِ والشِّدَّةِ والاستعلاءِ، ومستحَقَّها: ما يَنشأُ عن تلك الصفاتِ كالتفخيمِ فإنه ناشئٌ عن الاستِفَالِ، فإن قلتَ: هل هناك فرْقٌ آخَرُ بينَ الحقِّ والمستحَقِّ؟ فالجوابُ: نعم. إن الحقَّ صِفةٌ لازمةٌ للحرفِ في كلِّ الأحوالِ كالاستعلاءِ والتكريرِ والاستِفَالِ فإنها تكونُ في الحرفِ حالَ سكونِه وتحريكِه بجميعِ الحركاتِ، وأما المستحَقُّ كالتفخيمِ والترقيقِ فإنهما لا يكونان في الحرفِ إلَّا في بعضِ أحوالِه، وذلك أن التفخيمَ الناشئَ عن الاستعلاءِ والتكريرِ المذكورَيْن يكونُ في الحرفِ حالَ سكونِه وتحريكِه بالفتْحِ والضمِّ فقط، وأما حالَ الكسرِ فلا يوجَدُ فيه التفخيمُ بل ضِدُّه وهو الترقيقُ؛ لأنَّ بينَ الكسرِ والتفخيمِ مانعَةُ الجمْعِ - كما ذكَرَه المسعديُّ في شرحِه -، إذ الكسرُ يَستدعي انخفاضَ اللسانِ والتفخيمُ يَستدعي ارتفاعَه، وأنَّ الترقيقَ الناشئََ عن الاستِفالِ المذكورِ يكون في الراءِ حالَ كسرِها وفي اللامِ إذا لم تكنْ في لفظِ الجلالةِ وقبلَها فتحٌ أو ضمٌّ، أما حالَ سكونِ الراءِ مع انتفاءِ سببِ الترقيقِ قبلَها وتحريكِها بغيرِ الكسرِ فلا يكونُ فيها ترقيقٌ مع أنها مستفِلةٌ، هذا ما ذكَرَه العلماءُ وفي هذا ردٌّ على مَن أَلزمَ غيرَه بترقيقِ الراءِ في {وَنُذُرِ} وقْفًا في سورةِ القمرِ تكبُّرًا وعِنادًا؛ مع أن ترقيقَها غيرُ مستساغٍ وغيرُ عربيٍّ والقرآنُ نزلَ بلغةِ العربِ وهؤلاءِ يُخرجونَ القرآنَ عن لغتِه التي أَنزلَه اللهُ تعالى بها - نسألُ اللهَ حُسنَ الخاتمةِ - وكذلك اللامُ إذا كانت في الاسمِ الكريمِ فلا يكونُ فيها ترقيقٌ مع أنها مستفِلةٌ، وأيضًا اللامُ إذا كانت في الاسمِ الجليلِ وقبلَها فتحٌ أو ضمٌّ فلا يكونُ فيها ترقيقٌ مع أنها مستفِلةٌ،

ثم قالَ الناظمُ:

31.ورَدُّ كلِّ واحدٍ لأصلِه ... واللفظُ في نظيرِه كمثلِهِ

هذا البيتُ تتمَّةٌ للبيتِ السابقِ، يعني: والتجويدُ في الاصطلاحِ أيضًا ردُّ كلِّ حرفٍ لأصلِه أيْ: حيِّزُه الذي خرجَ منه، واللفظُ في نظيرِ ذلك الحرفِ بعدَ لفظِك به مثلُ لفظِك به أوَّلًا, فإنْ كان الحرفُ الأوَّلُ مرقَّقًا فنظيرُه يكونُ مرقَّقًا أو مفخَّمًا فإنَّه يكونُ مفخَّمًا ومشدَّدًا فإنَّ نظيرَه يكونُ مشدَّدًا، أو ممدودًا فإنه يكونُ ممدودًا إلى غيرِ ذلك والخُلاصةُ: جَعْلُ النظيرِ كنظيرِه لتكونَ القراءةُ على نَسَقٍ واحدٍ، ثم قالَ الناظمُ:

32.مكمَّلًا من غيرِ ما تكلُّفِ ... باللُّطْفِ في النُّطقِ بلا تعسُّفِ

أيْ: مكمَّلًا ذلك كلُّه من إعطاءِ الحروفِ حقَّها من الصفاتِ ومستحَقَّها مما يَنشأُ عن ذلك، وردِّها إلى مخارجِها يكونُ من غيرِ تكلُّفٍ ولا تعسُّفٍ ولا مشقَّةٍ، بل يكونُ القارئُ متلطِّفًا في النُّطقِ بالحروفِ وهذا كلُّه في حقِّ من كانت قراءتُه بالعُنْفِ طبْعًا أو صُنعًا، أما من كانت قراءتُه بالرَّخاوَةِ واللِّينِ وخفْضِ الصوتِ فبالعكسِ لأن الغرضَ هو الإتيانُ بالقدْرِ الجائزِ. و (ما) في قولِه: ما تكلُّفٍ، زائدةٌ للتأكيدِ، انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت