فهرس الكتاب
فائدةٌ: قالَ العلَّامةُ المسعديُّ في شرحِه: يُستحَبُّ للقارئِ تحسينُ صوتِه في قراءةِ القرآنِ الكريمِ, فإن النفوسَ كما لا يَخفى لها حظٌّ من الأصواتِ الحَسَنةِ, فإنه إذا جُليَتْ ألفاظُ القرآنِ العزيزِ بالأصواتِ الطيِّبةِ, مع مراعاةِ قوانينِ التجويدِ على الأسماعِ تَلقَّتْها القلوبُ وأَقبلَتْ عليها النفوسُ, وربما أَثْمَرَ ذلك في تدبُّرِ آياتِه، والتفكُّرِ في غوامضِه والتبحُّرِ في مقاصدِه، فيَحْصُلُ حينئذٍ للشخصِ الامتثالُ لأوامرِه والانتهاءُ عن مناهِيهِ، والرغبةُ في وعدِه والرهبةُ من وعيدِه، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ) ، وكذا يُستحَبُّ رفْعُ الصوتِ بالقرآنِ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم: (مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ) ، وَمَحَلُّ أَفْضَلِيَّةِ رفْعِ الصوتِ إذا لم يَخفْ رياءً ولم يَتأذَّ به أحدٌ وإلا فالإسرارُ أفضلُ، واللهُ أعلمُ.
ثم قالَ الناظمُ:
33.وليس بينَه وبينَ تركِه إلا رياضةُ امرئٍ بفكِّهِ
أي: ليس بينَ التجويدِ وتركِه فرْقٌ إلَّا رياضةُ امرئٍ، أيْ: مداومةُ الإنسانِ على القراءةِ بأخذِها من أفواهِ المشايخِ لا بمجرَّدِ النقلِ والسماعِ، ويجبُ أن تكونَ تلك الرياضةُ بفكِّه أيْ: بفمِ القارئِ لا بمجرَّدِ تخيُّلِها في ذِهنِه فإن ذلك من ترْكِ التجويدِ أيضًا، والفكُّ واحدُ الفكَّيْنِ، أي: مُلتَقَى الشِّدْقَيْن من الجانبَيْن، وهو من إطلاقِ الجزءِ وإرادةِ الكلِّ.
(تتمةٌ)
يقولُ المسعديُّ يرحَمُه اللهُ: من ترْكِ التجويدِ أيضًا أشياءٌ كثيرةٌ منها؛ القراءةُ باللِّينِ والرَّخاوةِ في الحروفِ وكونُها غيرَ صلْبَةٍ بحيثُ تُشبهُ قراءةَ الكسلانِ أو النعسانِ، ومنها النَّفْرُ بالحروفِ عندَ النُّطقِ بها بحيثُ يُشبهُ المشاجِرَ، ومنها تقطيعُ الحروفِ بعضَها من بعضٍ بما يُشبهُ السكْتَ خصوصًا الحروفَ المظهَرةَ قصْدَ الزيادةِ في بيانِها، إذ الإظهارُ له حدٌّ معلومٌ، ومنها عدمُ بيانِ الحروفِ الموقوفِ عليها حتى لا يكادُ يُسمعُ لها صوتٌ، ومنها إشباعُ الحركاتِ بحيث يتولَّدُ منها حروفُ مدٍّ، وربما يَفسدُ المعنى بذلك، ومنها أن يَبلغَ القارئُ بالقَلْقَلَةِ في حروفِها رُتبةَ الحركةِ كُلًّا أو بعضًا، ومنها إعطاءُ الحرفِ صِفةَ مجاوِرِه قويَّةً كانت أو ضعيفةً، ومنها تفخيمُ الراءِ الساكنةِ إذا كان قبلَها سببُ ترقيقِها، أو ترقيقُها إذا كان قبلَها ضمَّةٌ كمن دعا إلى ترقيقِ (وَنُذُرِ) وقْفًا في سورةِ القمرِ، ومنها إشباعُ الحرفِ الذي قبلَ الحرفِ الموقوفِ عليه، بحيث يتولَّدُ منهما حرفُ مدٍّ، فكثيرٌ من الناسِ يفعلُه، ومنها إبدالُ الحرفِ بغيرِه، ونكتفي بهذا القدرِ من شرحِ المسعديِّ.
ثم شرعَ الناظمُ في ذكْرِ أحكامٍ وقواعدَ متعلِّقةٍ بالتجويدِ كالترقيقِ والتفخيمِ، ناشئةٍ عن الصفاتِ السابقةِ فقالَ:
فصلٌ: في كيفيَّةِ استعمالِ الحروفِ والتحذيرِ مما يخالِفُ ذلك
34.فرقِّقَنْ مستفِلًا من أحرُفِ وحاذِرَنْ تفخيمَ لفظِ الألِفِ
أفادَ الناظمُ أن حروفَ ِالاستعلاءِ سبعةٌ، وحروفَ الاستِفَالِ اثنان وعشرون، وأمَرَ هنا بترقيقِ الحروفِ المستفِلةِ كلِّها إلَّا الراءَ واللامَ في بعضِ أحوالِهما، وحذَّرَ من تفخيمِ خمسةِ أحرفٍ من حروفِ الاستِفَالِ وأكَّدَ الأمرَ بالنونِ في قولِه"وحاذِرَنْ"إلخ،