فهرس الكتاب
فإن قيلَ: إن الكسرَ عارِضٌ فتفخَّمُ مثل (أَمِ ارْتَابُوا) ، فقد يُجابُ أن عُروضَ الكسرِ هو باعتبارِ الحَمْلِ على أصلِ مضارِعِه الذي هو يَرتابُ فهي مفخَّمةٌ لعُروضِ الكسرِ فيه بخلافِ هذه، والأَوْلى أن يُقالُ: كما أن الكسرَ قبلُ عارِضٌ فإن السكونَ كذلك عارِضٌ، وليس أحدُهما أَوْلى بالاعتبارِ من الآخَرِ، فيُلْغَيَان جميعًا ويُرجَعُ إلى كونِها في الأصلِ مكسورةً فترقَّقُ على أصلِها، وأما على قراءةِ الباقين وكذلك (فأسر) في قراءةِ من قَطعَ أو وَصَلَ، فمن لم يَعتَدَّ بالعارضِ أيضًا رقَّقَ، وأما على القولِ الآخرِ فيحتملُ التفخيمُ للعُروضِ ويَحتملُ الترقيقُ فرقًا بينَ كسرةِ الإعربِ وكسرةِ البناءِ، إذ كان الأصلُ أسرى بالياءِ وحُذفت الياءُ للبناءِ فبقيَ الترقيقُ دلالةً على الأصلِ وفَرْقًاَ بينَ ما أصلُه الترقيقُ وما عَرَضَ له وكذلك الحُكْمُ في {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} في الوقفِ بالسكونِ على قراءةِ من حذفَ الياءَ فحينئذٍ يكونُ الوقفُ بالترقيقِ أَوْلى والوقفُ على (والفجرِ) بالتفخيمِ أَوْلى، واللهُ أعلمُ. انتهى بحروفِه، ولم يَتعرَّض ابنُ الجَزْرِيِّ في هذه المسألةِ لكلمةِ، وَنُذُرِ، ولو كانت مثلَ يَسْرِ لذكَرَها معها. وفي هذا ردٌّ على ما ذكَرَه المتولي في فتحْ المُعطِي من ترقيقِ (وَنُذُرِ) مع (يَسْرِ) وقفًا وتَبِعَهُ المقلِّدون.
ذكرْتُ هذه التنبيهاتِ لأننا سنحتاجُ إليها في الكلامِ على (وَنُذُرِ) بالقمرِ.
التنبيهُ الثالثُ: قالَ العلَّامةُ المسعديُّ في شرحِه على الجَزْرِيَّةِ / مخطوطٌ في كلامِه على الراءاتِ. (التنبيهُ السادسُ إذا وُقِفَ على نحوِ:(والفجرِ) لا يُقالُ فيه الترقيقُ والتفخيمُ، فالأولُ: نظرًا لأن أصلَ الراءِ الكسرُ، والثاني نظرًا إلى السكونِ الذي لم يتقدَّمْه سببٌ يوجبُ الترقيقَ، لأنا نقولُ: إذا سَكَنَت الراءُ ولم يتقدَّمْها سببٌ يوجبُ الترقيقَ، رجَعتْ إلى أصلِها وهو التفخيمُ وجهًا واحدًا، فإن الشيءَ إذا رجعَ إلى أصلِه لا يتفرَّعُ عليه اعتدادٌ بالعارضِ وعدمُه، وإنما يتفرَّعُ على العكسِ كما هو ظاهرٌ، انتهى بحروفِه).
التنبيهُ الرابعُ: ذكَرَ العلَّامةُ المتولي في فتحِ المُعطِي وغُنْيةُ المُقرِي في شرحِ مقدِّمةِ وَرْشٍ المصريِّ قالَ بالحرفِ الواحدِ: (وليس(وَنُذُرِ) من قبيلِ المضمومِ و (يَسْرِ) من قبيلِ الساكنِ إذ الراءُ متوسِّطةٌ فيهما، لأن أصلَهما نُذُرِي ويَسْرِي بالياءِ وحُكْمُهما الترقيقُ على ما اختارَه ابنُ الجَزْرِيِّ رحِمَه اللهُ تعالى) انتهى بحروفِه.
فقد سوَّى رحِمَه اللهُ تعالى بينَ (وَنُذُرِ) في سورةِ القمرِ في مواضِعها الستَّةِ وبين يَسْرِ في (الفجرِ) وهذه التسويةُ فاسدةٌ لأن الياءَ في يَسْرِ أصليَّةٌ لأنها ياءُ الكلمةِ والياءُ في (وَنُذُرِ) ليست أصليَّةً بل هي زائدةٌ لأنها ياءُ المتكلِّمِ وهي زائدةٌ يُثبتُها بعضُ القرَّاءِ ويَحذفُها البعضُ الآخَرُ ومنهم حفْصٌ عن عاصمٍ من جميعِ طُرقِه وكسرةُ الراءِ في (يَسْرِ) كسرةُ بِنيةٍ لا يُمكنُ تغييرُها أما كسرةُ الراءِ في وَنُذُرِ فهي كسرةُ إعرابٍ وهي معطوفةٌ على ما قبلَها وهو (عَذابي) مرفوعٌ لأنه اسمُ كان وعلامةُ رفعِه ضمَّةٌ مقدَّرةٌ على آخرِها منعَ من ظهورِها حركةُ المناسَبةِ لياءِ الإضافةِ فكذلك (وَنُذُرِ) تُعربُ نفسَ الإعرابِ وقد فرَّقَ ابنُ الجَزْرِيِّ فقالَ إن الترقيقَ في (يَسْرِ) لأجْلِ كسرةِ البناءِ أي البنيَةِ. أقولُ وأما ما كسْرتُه إعرابٌ مثلُ وَنُذُرِ فكسْرتُه كسرةُ إعرابٍ يُمْكنُ تغييرُها في غيرِ الْقُرْآنِ فهذه تُفخَّمُ فرْقًا بينَ كسرةِ البِنيةِ وكسرةِ الإعرابِ فما كانت كسْرتُه من بِنيةِ الكلمةِ ترقَّقُ راؤُه لأصالةِ الكسرةِ وما كانت كسْرتُه لإعرابٍ فإن راءَه تفخَّمُ لعُروضِ الكسرةِ, والمعطوفُ على المرفوعِ مرفوعٌ ويُمْكنُ تغييرُها إلى حركةٍ أُخرى في غيرِ القرآنِ، وأما قولُ العلَّامةِ المتولي (على ما اختارَه ابنُ الجَزْرِيّ، ففيه نظَرٌ، لأنه بالرجوعِ إلي النشرِ وتقريبِه وجميعِ كُتبِ ابنِ الجَزْرِيِّ وجدْنا أن ابنَ الجَزْرِيِّ لم يَتعرضْ لذكرِ(وَنُذُرِ) عندَ كلامِه على (يَسْرِ) كما سبقَ في (التنبيهِ السابعِ في النشْرِ السابقِ ذِكْرُه) ، واختيارُ ابنُ الجَزْرِيِّ في (وَنُذُرِ) ونحوِها التفخيمُ وليس الترقيقَ، بدليلِ قولِه في النشْرِ في بابِ الوقْفِ على الراءِ سطرِ 9 (وقد قدَّمْنا - أي في ص 105 أن