فهرس الكتاب
القولَ بالتفخيمِ حالةَ الوقفِ - هو المقبولُ المنصورُ وهو الذي عليه عملُ أهلِ الأداءِ، وقالَ ابنُ الجَزْرِيِّ في نظْمِ الطيِّبةِ مؤيِّدًا هذا (وفي سكونِ الوقفِ فخِّمْ وانصرْ) فهذا نصٌّ صريحٌ في أن اختيارِ ابنِ الجَزْرِيِّ التفخيمَ في كلمةِ (وَنُذُرِ) وقفًا وأن كلامَ المتولي السابقَ فيه نظرٌ وأدلَّةُ التفخيمِ في هذه الكلمةِ كثيرةٌ، منها قولُ ابنِ الجَزْرِيِّ السابقُ في النشْرِ ونظْمِ الطيِّبةِ، ومنها قولُ المسعديِّ في التنبيهِ السادسِ المذكورِ آنفًا أن الراءَ إذا سَكَنتْ ولم يَسبقْها سببٌ موجِبٌ للترقيقِ فإنها تُردُّ إلى أصلِها وهو التفخيمُ والراءُ في (وَنُذُرِ) ليس قبلَها سببٌ لترقيقِها، وسَكَنتْ للوقفِ وقبلَها سببٌ لتفخيمِها وهو الضمُّ بل قبلَها ضمَّتان، ومنها قولُ ابنِ الجَزْرِيِّ في النشْرِ، فصلٌ في الراءِ الموقوفِ عليها (فتُرقَّقُ مع الكسرةِ لتَسَفُّلِهَا وتُفخَّمُ مع الفتحةِ والضمَّةِ لتصَعُّدِها) ، ومنها قولُ المسعديِّ في ص 51 من هذا الكتابِ ما نصُّهُ (بيْنَ الكسرِ والتفخيمِ مانِعةُ الجمعِ، إذ الكسرُ يَستدعي انخفاضَ اللسانِ، والتفخيمُ يَستدعي ارتفاعَه) ،
ومفهومُ هذا القولِ:
أنَّ بينَ الضمِّ والترقيقِ مانِعَةَ الجمْعِ أيضًا، وفي كلمةِ وَنُذُرِ ضمَّتان قبلَ الراءِ فكيف نَنطقُ بضمَّتين بعدَهما ترقيقٌ هذا يصعبُ على اللسانِ و (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نفسًا إلَّا وُسْعَهَا) ؟ وليس الترقيقُ في هذه الكلمةِ من لغةِ العربِ وليس هناك دليلٌ على ترقيقِها من قولٍ أو عمَلٍ، وكلامُ المتولي قولٌ شاذٌّ كما قالَ ابنُ الناظمِ في شرحِ الطيِّبةِ ص 167 حيثُ قالَ: وقد شذَّ من قالَ إن المكسورةَ ترقَّقُ من حيثُ أن الوقفَ عارِضٌ، وأقوى الأدلَّةِ هو إجماعُ القرَّاءِ على تفخيمِها.
فإن قيلَ: إن هناك في الأسواقِ مصاحفَ مرتَّلَةً سجَّلَها أصحابُها بترقيقِ هذه الراءِ من كلمةِ (وَنُذُرِ) وقفًا. فهذا يدلُّ على جوازِ ترقيقِها.
نقولُ: إن الموجودَ في السوقِ من المصاحفِ المرتَّلَةِ وكذلك قد نَجدُ أشرطِةِ كاسيت سجَّلَ عليها أصحابُها ما يُسمَّى: محاضَراتٌ في التجويدِ في شرْحِ الجَزْرِيَّةِ مَثلًا، وذَكَروا فيها ضرورةَ الترقيقِ لهذه الراءِ في هذه الكلمةِ، فالجوابُ على هذا أن هؤلاءِ جميعًا عددٌ قليلٌ جِدًّا. لا يتَعدَّى عددُهم ثلاثةً من القرَّاءِ في المدينةِ المنوَّرةِ عبارةً عن مصحفَيْن مرتَّلَين فقط، وواحدٍ له أشرطةُ كاسيت بالجامعةِ الإسلاميَّةِ، وواحدٍ فقط يقرأُ في إذاعةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ السعوديَّةِ وهؤلاءِ أَلزمَهم قراؤُهم الذين قَرءُوا عليهم أو أَشرَفوا على تسجيلاتِهم أَلزموهم بترقيقِها بدليلِ أنك لو استمَعْتَ إليهم خارجَ التسجيلِ فإنهم لا يُرقِّقونها وليس مع المخالِفين دليلٌ غيرَ قولِ المتولي السابقِ الذي لم يَعملْ به أحدٌ والذي ذكرَه في"فتْحِ المعطِي"بدونِ رويَّةٍ أو بحثٍ علميٍّ أو الرجوعِ إلى النشْرِ وهذا الإلزامُ من هؤلاءِ المُقْرِئِين الذين قاموا بإقرائِهم وأشرَفوا على تسجيلاتِهم كان لِغرضِ الشهرةِ وإيهامِ الناسِ خصوصًا المسؤولين منهم أنهم أعلَمُ أهلِ زمانِهم واللهُ يعلمُ أن العكسَ هو الصحيحُ، ظنًّا منهم أنهم أتَوْا بجديدٍ. على طريقةِ"خالِفْ تُعرفْ"فنظروا إلى الشهرةِ. ولم يَنظروا إلى أن مخالفةَ الإجماعِ عملٌ حرَّمَه اللهُ ونَهى عن الخروجِ عنه. وقد بيَّنَّا آنفًا أن ترقيقَ هذه الراءِ مُخالِفٌ لقولِ الحافظِ ابنِ الجَزْرِيِّ وليس اختيارَه كما قالَ المتولي ولم يذكرْه في كتبِه ولم يقرأْ به أحدٌ من عهْدِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وحتى اليومِ. حتى هؤلاءِ الذين أَلزموا غيرَهم بترقيقِها إذا سألتَهم هل قرأتم بترقيقِها؟ يقولون لا. ونقولُ لهم إذًا: فلماذا تُلزمون غيرَكم بترقيقِ هذه الكلمةِ مخالِفين بذلك شيوخَكم والمسلمين جميعًا؟! وإذا سألْتَهم عن قولِ ابنِ الجَزْرِيِّ في الطيِّبةِ (وفي سكونِ الوقفِ فخِّمْ وانْصُرْ) لا يَستطيعون التفوُّهَ بكلمةٍ وليس أمامَهم إلَّا التسليمُ بتفخيمِها، وصدَقَ اللهُ حيثُ يقولُ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ