فهرس الكتاب
ثم أفادَ الناظمُ أنه وقعَ خلافٌ بينَ أهلِ الأداءِ في إبقاءِ صِفةِ استعلاءِ القافِ من قولِه تعالى {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ} بالمرسلاتِ وعدمِ إبقائِها فذهَبَ مَكِّيٌّ ومن وافَقَه إلى إبقائِها ويكونُ الإدغامُ حيئنذٍ ناقصًا مثلَ مَا مَرَّ، وذهبَ الدَّانِي ومن وَالاهُ إلى عدمِه ويكونُ الإدغامُ تامًّا على الأصلِ وهذا هو المختارُ عندَ الناظمِ وهو قولُ الجمهورِ والمقدَّمُ في الأداءِ والفرْقُ بينَه وبينَ (أَحَطْتُ) وبابِه: أن الطاءَ زادَتْ بالإطباقِ، ثم قالَ الناظمُ رحِمَه اللهُ تعالى:
47 -واحرِصْ على السكونِ في جَعَلْنَا ... أنعمْتَ والمغْضُوبِ مع ضلَلْنا
أمَرَ بالحرْصِ على السكونِ في كلِّ لامٍ ساكنةٍ بعدَها نونٌ سواءً تكرَّرتْ اللامُ نحوَ: (ضلَلْنا) أم لم تَتكرَّرْ نحوَ: (جعلْنا) وكلِّ نونٍ ساكنةٍ بعدَها حرفٌ من حروفِ الحَلْقِ نحوَ: (أَنْعَمْتَ) وكلِّ غَيْنٍ ساكنةٍ نحوَ: (الْمَغْضُوبِ) وإنما أمَرَ بالحرصِ على سكونِ اللامِ إذا وقعَ بعدَها نونٌ لأنَّ اللسانَ يُسرعُ إلى إدغامِها في النونِ لما بينَهما من التقاربِ وإذا أظهرتَها فلا تُبالغْ في الإظهارِ حتى تُقلقلَها أو تحرِّكَها كما يَفعلُه كثيرٌ من جهلةِ القرَّاءِ، وهو لحْنٌ لم يَردْ به نصٌّ ولا يَقتضيه قياسٌ صحيحٌ، قالَ الإمامُ السخاويُّ:
وبيانُه في نحوِ: فضَّلْنا على * رفقٍ لكلِّ مفضَّلٍ يقْظانِ
فالضميرُ في بيانِه يعودُ إلى اللامِ في بيتٍ قبلَه. وإنما أمَرَ بالحرصِ على سكونِ النونِ عندَ حروفِ الحَلْقِ ليَحترزَ عن خفائِها وأمَرَ بالحرصِ على كلِّ غَيْنٍ ساكنةٍ ليَحترزَ عن تحريكِها لأنه من فظيعِ اللَّحنِ ولابدَّ من بيانِ الغَيْنِ الساكنةِ إذا وقع بعدَها شِينٌ أو غيرُها من سائرِ الحروفِ نحوَ: (يَغْشَى) ، (الْمَغْضُوبِ) ، (فَرَغْتَ) ونحوِ ذلك، ويتأكَّدُ بيانُها عندَ الشينِ لئَلَّا تُبدَلَ خاءً لاشتراكِ الشينِ والخاءِ في الهمْسِ والرخاوةِ نصَّ عليه الناظمُ في التمهيدِ ثم قالَ المؤلِّفُ:
48 -وخَلِّصِ انفتاحَ مَحذورًا عسَى خَوْفَ اشْتِبَاهِه بمَحْظُورًا عَصا
أمَرَ الناظمُ رضيَ اللهُ عنه بتخليصِ انفتاحِ الذالِ من قولِه تعالى: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} (الإسراء: آية 57) والسينِ من قولِه تعالى: {عَسَى رَبُّهُ} (التحريم: آية 5) لئَلَّا يَشتبِهُ الذالُ بالظاءِ في قولِه تعالى: {وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} (الإسراء: آية 20) والسينُ بالصادِ في قولِه تعالى: {وَعَصَى آدَمُ} (طه: آية 121) فإن كُلًّا من الذالِ والظاءِ من مَخرجٍ واحدٍ وكذلك السينُ والصادُ ولا يتميَّزُ كلُّ واحدٍ إلَّا بتمييزِ الصفةِ فالسينُ والذالُ منفتِحَتان، والصادُ والظاءُ مُطبَقتان فيَنبغي أن يُخلَّصَ كلُّ واحدٍ من الآخَرِ بانفتاحِ الضمِّ وانطباقِه. وكذلك كلُّ حرفٍ مع آخَرَ متَّحِدِي المَخرجِ مختلِفِي الصفةِ. وضميرُ اشتباهِهِ يعودُ إلى محذورًا.
(تنبيهٌ) لابدَّ من إعطاءِ السينِ حقَّها من الصفاتِ. ومن لم يُعطِها حقَّها أخطأَ وهو لا يشعرُ، فيُبدِلُها صادًا لأنها مُواخِيَةً لها لاشتراكِهما في المَخرجِ وبعضِ الصفاتِ كالصفيرِ والهمْسِ والرخاوةِ ولولا الاستعلاءُ والإطباقُ اللذان في الصادِ لكانت سينًا.
ولولا التَّسَفُّلُ والانفتاحُ اللذان في السينِ لكانتْ صادًا وأكثرُ ما يَقعُ ذلك إذا جاورَتْ حرفَ استعلاءٍ أو راءٍ نحوَ: (وَسَطًا) (تُقْسِطُوا) واللهُ أعلمُ. ثم قالَ الناظمُ رحِمَه اللهُ تعالى:
49 -وراعِ شِدَّةً بكافٍ وبِتا ... كشرْكِكم وتتوفَّى فتْنَتَا