فهرس الكتاب
لابدَّ من مراعاةِ صِفةِ الشِّدَّةِ في الكافِ والتاءِ فالكافُ نحوَ: (شرْكِكم) والتاءُ نحوَ: (تَتوفَّاهم) ، (واتَّقُوا فِتنةً) وذلك بأن يُمنعَ الصوتُ أن يَجْرِيَ معهما مع تباينِهما في مَخرجِهما. وإنما خَصَّ هذه الأمثلةَ بالذكرِ لصعوبةِ اللفظِ بالمُكرَّرِ على اللسانِ وإذا تكرَّرَ الحرفُ في كلمةٍ أو في كلمتين فلابدَّ من بيانِ كلٍّ منهما لئَلَّا يَقرُبُ اللفظُ من الإدغامِ لتَكَلُّفِ اللسانِ بصعوبةِ التكريرِ نحوَ: {مَنَاسِكَكُمْ} وإذا تكرَّرَت التاءُ في كلمةٍ نحوَ: {تَتَوَفَّاهُم} أو في كلمتين والأُولى متحرِّكةٌ نحوَ: {كِدتَّ تَرْكَنُ} أظهرتَهما إظهارًا بيِّنًا. وإن تكرَّرَتْ ثلاثَ مرَّاتٍ نحوَ: قولِهِ تعالى: {الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا} فالبيانُ لازمٌ لأنَّ في اللفظِ صعوبةً بسببِ التَّكرارِ. وكذا كلُّ حرفٍ مكرَّرٍ. قالَ في الرعايةِ: بيانُ الحرفِ المكرَّرِ لازمٌ وفيه صعوبةٌ لأنه بمنزلةِ الماشي يرفعُ رجلَه مرَّتين أو ثلاثَ مرَّاتٍ ويردُّها في كلِّ مرَّةٍ إلى الموضعِ الذي رفعَها منه.
والخُلاصةُ: أنه يَنبغي أن يُراعيَ في كلِّ حرفٍ صفتَه المتقدِّمةَ من جهْرٍ أو همْسٍ وشِدَّةٍ أو رخاوةٍ وغيرِ ذلك بعد تمكينِه في مَخرجِه واللهُ الموفِّقُ.
فصلٌ في الإدغامِ والإظهارِ
50 -وأَوَّلَى مِثلٍ وجِنْسٍ إن سَكَْن أُدْغِمَ كقُل رَّبِّى وبل لَّا وأبِنْ
51 -في يَوم معَ قالوا وهم وقلْ نَعَمْ ... سبِّحْهُ لا تُزِغْ قلوبَ فالْتَقَمْ
في هذين البيتين بيَّنَ الناظمُ رحِمَه اللهُ ما يَجبُ إدغامُه وما يَمتنعُ فنقولُ:
تعريفُ الإدغامِ: الإدغامُ لغةً الإدخالُ. يُقالُ أَدغمتُ اللجامَ في فمِ الفرسِ إذا أَدخلتُه. واصطلاحًا: هو اللفظُ بساكنٍ فمتحرِّكٍ بلا فصْلٍ من مَخرجٍ واحدٍ، فقولُه: اللفظُ بساكنٍ فمتحرِّكٍ بمنزلةِ الجِنسِ يَندرجُ فيه الإظهارُ والإدغامُ والإخفاءُ. وقولُه: بلا فصْلٍ بمنزلةِ الفصلِ يَخرجُ به الإظهارُ، وقولُه: من مَخرجٍ واحدٍ، يَخرجُ به الإخفاءُ إذ ليس الحرفُ المخفيُّ والمخفيُّ عندَه من مَخرجٍ واحدٍ.
وأما تعريفُ المِثْلين والمتجانِسَيْن والمتقارِبَيْن فسنَعقدُ لهم بابًا خاصًّا ليتَّضِحَ للمبتَدِئِين.
ومعنى قولِ الناظمِ (وأَوَّلَى مِثْل .... الخ) أيْ أَدْغِمْ أيُّها القارئُ أوَّلَى مِثْلٍ وجِنْسٍ إن سَكَنْ أوَّلُ المِثْلِ والجنسِ وقولُه (وأَبِنْ) يَعني وأظهِر أيُّها القارئُ مَدَّ (في يومٍ) مع (قالوا وهم) وأظهِرْ لامَ (قلْ) وحاء (سبِّحْه) وغَيْنَ (لا تُزِغْ قلوبَنا) ولام (فالْتَقَمَه) . وقد سبَقَ تعريفُ الإدغامِ آنفًا. ثم اعلمْ أيُّها القارئُ أن الأصلَ في الحروفِ الإظهارُ، لعدَمِ توقُّفِهِ على سببٍ والإدغامُ فرْعٌ عنه لتوقُّفِه على سببٍ وهو التَّماثلُ والتقاربُ والتجانسُ. وأما تمثيلُ الناظمِ بـ (قُل رَّبِّ) للمتجانِسَيْن فهو على رأيِ الفرَّاءِ وأَتْباعِه كما هو معلومٌ في المخارجِ، وإنما مثَّلَ به الناظمُ تَشْحِينًا لذِهنِ الطالبِ وتقوِيَةً له على البحثِ والتدقيقِ عن مثلِ هذا.