الصفحة 57 من 133

وهذا بالعكسِ أُدْغِمَ الأقوى في الأضعفِ لما بينَهما من التجانُسِ ولم أرَ من يُحسنُ هذا الإدغامَ إلَّا قليلًا لعدمِ الرياضةِ والتَّلقِّي من أفواهِ المرْتَاضِين ويَقْرُبُ ذلك إدغامُ النونِ الساكنةِ والتنوينِ في الواوِ والياءِ على قراءةِ الجماعةِ, الغُنَّةُ باقيةٌ عندَ الإدغامِ فيكونُ التشديدُ متوسِّطًا فالغُنَّةُ الباقيةُ في هذا كالإطباقِ الباقي عندَ إدغامِ الطاءِ في التاءِ ِ إدغامًا كاملًا كإدغامِ النونِ والتنوين في الواوِ والياءِ على روايةِ خَلَفٍ عن سَليمٍ عن حَمْزَةَ ولم يَقرأْ به أحدٌ فيما علِمتُ في الطاءِ مع التاءِ لا في المتواترِ ولا في الشاذِّ فإن سَكَنَتْ فلابدَّ من إظهارِ إطباقِها وقلقلتِها وسواءً كان السكونُ لازمًا، نحو: (الْخَطْفَةَ) (الصافات: آية 10) و (الْأَطْفَالُ) أمْ عارِضًا نحوَ: (الأسباطِ) و (القِسطِ) لدى الوقفِ انتهى ملخَّصًا من تنبيهِ الغافلِين

ص 63، والتمهيدِ ص 133.

الظاءُ المشالَةُ المعجَمَةُ

تَخرجُ الظاءُ من المَخرجِ العاشرِ من مخارجِ اللسانِ وهو حرفٌ مجهورٌ (رِخوٌ مستعْلٍ) مُطبَقٌ مُصمَتٌ مفخَّمٌ متوسِّطٌ وإلى القوَّةِ أقربُ، ويقعُ الخطأُ فيها من أوجُهٍ:

منها: تفخيمُها كثيرًا ويَكثرُ ذلك إذا أتى بعدَها الألِفُ نحوَ: (الظالمين) بل تَلفَّظْ بها كما تَلفَّظُ بها في تقطيعِ الحروفِ إذا قُلتَ طا، ظا.

ومنها: جعْلُها ذالًا وكثيرًا ما يقعُ هذا لأنهما من مَخرجٍ واحدٍ واشتَرَكا في بعضِ الصفاتِ ولولا الإطباقُ والاستعلاءُ اللذان في الظاءِ لكانت ذالًا لاسيَّما إن وقع في كلمةٍ تُشبهُ في صيغتِها كلمةً أخرى بالذالِ فيجبُ البيانُ لئَلَّا يَنتقلُ الكلامُ من معنًى إلى معنًى آخَرَ، وذلك نحوَ قولِه تعالى: {وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} أي ممنوعًا من أحَدٍ, مع قولِه تعالى: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} أيْ: حقيقٌ أن يَحذَرَ منه جميعُ خلقِه، ويجبُ الاعتناءُ بإظهارِها في (أَوَعَظْتَ) بالشعراءِ ولا ثانيَ له لئَلَّا تُدْغَمَ في التاءِ كالطاءِ في نحوِ: (أَحَطْتُ) . وهي مظهرُة باتفاقٍ إلَّا في الشواذِّ وهو ما رُوِيَ عن ابنِ مُحَيْصِنٍ من الإدغامِ مع بقاءِ صِفةِ التفخيمِ وهي قراءةٌ شاذَّةٌ.

ومنها: جعْلُها ضادًا غيرَ مُشالَةٍ، وكثيرًا ما يقعُ لاتِّفاقِهما في جميعِ الصفاتِ، ولولا اختلافُهما في المَخرجِ وزيادةُ الاستطالةِ في الضادِ لكانت ظاءً فيجبُ على القارئِ الاعتناءُ بتمييزِ إحداهُما من الأخرى لئَلَّا يَجْعَلَ كلًّا منهما موضعَ الأخرى, وهو واقعٌ كثيرًا, وإبدالُ الضادِ الساقطةِ ظاءً أكثرُ ليُسْرِهِ على اللسانِ لا سيَّما إذا التقتا لفظًا وخطًّا نحوَ: {أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} أو لفظًا لا خطًّا نحوَ: {يَعَضُّ الظَّالِمُ} ، وقد الْتَبَسَ على كثيرٍ من القرَّاءِ الفرْقُ بينهما في مواضعَ كثيرةٍ من الْقُرْآنِ فيَضعُ إحداهُما موضعَ الأخرى وإن كان يُحسنُ النُّطقَ بهما وهو لَحْنٌ لا تَحِلُّ القراءةُ به إذ فيه تغييرُ اللفظِ وإخراجُ الكلمةِ عن معناها إما إلى لفظٍ غيرِ مستعمَلٍ في كلامِ العربِ وهو الغالبُ، أو إلى كلمةٍ بمعنى آخَرَ كما في قولِه تعالى (الظَّالِّين) يصيرُ بمعنى الدائمِين أو الصابرِين، ولا يَرِدُ عليه مثلُ قولِه تعالى (بِضَنِين) لورودِ القراءتَيْن ولاحتمالِ اللغتين في الآيةِ بعكسِ غيرِه في القرآنِ فإنه يُحيلُ المعنى إلى ضِدِّه فيؤدي إلى فسادِ المعنى واللهُ أعلمُ. وقد فرَّقَت العربُ بينَ عضِّ ذي الفمِ كالإنسانِ والكلبِ وبينَ غيرِه كقولِه عَظَّ الزمانُ وعَظَّت الحربُ فجَعلوا الأوَّلَ بالضادِ الساقطةِ والثاني بالظاءِ المشالَةِ، فلابدَّ من معرفتِهما ووضْعِ كلِّ واحدةٍ منهما في موضعِها وقد اهتمَّ العلماءُ بتميِيزهِما حتى أفرَدُوه بالتأليفِ نظْمًا ونثرًا. انتهى ملخَّصًا من تنبيهِ الغافلين ص 64، والتمهيدِ ص 134.

الكافُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت