فهرس الكتاب
ارْتَابُوا (النور: آية 50) وقولُنا وصْلًا ووقْفًا خَرجَ به السكونُ العارِضُ كسكونِ الميمِ المتطرِّفةِ في الوقْفِ نحوَ: {حَكِيمٌ} ، {عَلِيمٌ} .
هذا وتقعُ الميمُ الساكنةُ المقصودةُ في هذا البابِ متوسِّطةً ومتطرِّفةً وتكونُ في الاسم ,ِ نحوَ: {لَهُ الْحَمْدُ} (القصص: آية 70) وفي الفعلِ نحوَ: {قُمْتُمْ} (المائدة: آية 6) و {يَمْكُرُونَ} (الأنفال: آية 30 وفى الحرفِ نحوَ {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ} (النجم: آية 36) وتكونُ للجمْعِ نحوَ {وَلَهُمْ} (البقرة: آية 25) ولغيرِ الجمْعِ كما سبَقَ ويَصحُّ وقوعُها ساكنةً قبلَ الحروفِ الهجائيَّةِ عمومًا إلا الألِفَ الليِّنَةَ المدِّيَّةَ فلا يَتأتَّى سكونُ الميمِ قبلَها لأنَّ ما قبلَها لا يكونُ إلا مَفتوحًا، وهذا ما أشارَ إليه العلَّامةُ الجَمْزُورِيُّ (ليِّنَةٍ لذي الحِجَا) .
وللميمِ الساكنةِ في الحالَيْنِ على ما ذكرْنا أحكامٌ ثلاثةٌ وهي الإخفاءُ الشفويُّ والإدغامُ الصغيرُ والإظهارُ الشفويُّ، وهذا معنى قولِ ابنِ الجَزْرِيِّ السابقِ ذِكرُه في المقدِّمةِ آنفًا:
62 -وأَخْفَِيْن
63 -الميمَ إنْ تَسكُنْ بُغنَّةٍ لَدَى ... باءٍ على المختارِ من أهْلِ الأَدَا
64 -وأظهِرَنْها عندَ باقيِ الأحرُفِ واحذَرْ لَدَى واوٍ وفا أنْ تَختفِي
وقال الْجَمْزُورِيُّ في التحفةِ:
أحكامُها ثلاثةٌ لمن ضَبطْ * إخفاءُ إدغامٌ وإظهارٌ فقطْ
ولكلٍّ من الأحكامِ الثلاثةِ هذه كلامٌ خاصٌّ نوضِّحُه فيما يلي:
الكلامُ على الحكْمِ الأوَّلِ: الإخفاءُ الشفويُّ وسيأتي تعريفُه في بابِ النونِ الساكنةِ والتنوينِ، وله حرفٌ واحدٌ وهو الباءُ فإذا وَقعَ بعدَ الميمِ الساكنةِ ولا يكونُ ذلك إلا من كلمتين جازَ إخفاؤُها عندَه مع الغُنَّةِ ويُسمَّى إخفاءً شَفويًّا نحوَ: {أَمْ بِظَاهِرٍ} (الرعد: آية 33) ، {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ} (المائدة: آية 48) .
والإخفاءُ مع الغُنَّةِ هو المختارُ وعليه أهلُ الأداءِ بمصرَ والشامِ والأندلسِ وغيرهِا، واختارَه أكثرُ المحقِّقين كالحافظِ أبي عمرٍو الداني وابنِ الجَزْرِيِّ وابنِ مجاهدٍ وغيرِهم، وذَهبَ جماعةٌ إلى الإظهارِ, والمعمولُ به هو الإخفاءُ لعدَمِ العملِ بالإظهارِ من عصرِ ابنِ الجَزْرِيِّ إلى الآنَ (كما سَبقَ ذِكرُه) .
وصحَّحَ الوجهين كذلك لكلِّ القرَّاءِ ولم يُرجِّحْ أحدَهما على الآخرِ الصَّفَاقِسِيُّ في غيْثِ النفعِ ومِن مواضِعِه {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} (البقرة: آية 8) ، وصحَّحَهُما كذلك شارِحو الجَزْرِيَّةِ وغيرُهم وعليه فلا وجهَ لمن مَنعَ وجهَ الإظهارِ من غيرِ غُنَّةٍ أو خَطَّأَ من يقولُ به حيثُ إنه صحيحٌ وثابتٌ لكلِّ القرَّاءِ، وهذا معنى قولِه:
وأَخْفِيَنْ الميمَ إن تَسكنْ بغُنَّةٍ لَدَى باءٍ على المختارِ من أهلِ الأَدَا
وقال الجَمْزُورِيُّ: