الصفحة 88 من 133

ووجْهُ الإدغامِ بغيرِ غُنَّةٍ: التقاربُ في المَخرجِ على مذهبِ الجمهورِ, والتجانسُ على مذهبِ الفرَّاءِ ومُوافِقِيه إذ النونُ واللامُ والراءُ يَخرجْن من مَخرجٍ واحدٍ على مذهبِه كما تقدَّمَ ووجْهُ حذفِ الغُنَّةِ هنا المبالَغَةُ في التخفيفِ لأن في بقائِها بعضًا من الثِّقَلِ وإن قُرئَ به في المتواترِ.

(تنبيهٌ) قال العلَّامةُ المسعديُّ في شرحِه على الجَزْرِيَّةِ:

اتَّفقَ أهلُ الأداءِ على أن الغُنَّةَ الظاهرةَ حالَ إدغامِ النونِ الساكنةِ والتنوينِ في النونِ غُنَّةُ المُدْغَمِ فيه وهو النونُ المتحرِّكةُ من (ينمو) المُدغَمُ فيها، واتَّفَقوا أيضًا على أن الغُنَّةَ الظاهرةَ حالَ إدغامِ النونِ الساكنةِ والتنوينِ في الواوِ والياءِ غُنَّةُ المُدْغَمِ وهو النونُ الساكنةُ أو التنوينُ، واختلَفوا في الغُنَّةِ الظاهرةِ حالَ إدغامِ النونِ الساكنةِ والتنوينِ، في الميمِ هل هي غُنَّةُ المُدغَمِ وهو النونُ الساكنةُ والتنوينُ أو غُنَّةُ المُدغَمِ فيه وهو الميمُ فذَهبَ إلى الأوَّلِ ابنُ كَيْسانَ النَّحْوِيُّ، وأبو بكرِ بنُ مُجاهِدٍ المُقْرِي وغيرُهما.

وذهبَ الجمهورُ إلى الثاني وهو الصحيحُ، انتهى. أقولُ لأنَّ النونَ الساكنةَ والتنوينَ حالةَ إدغامِهما في الميمِ انقَلَبا إلى لفظِها وهذا واضحٌ بأدنى تَأمُّلٍ.

(تنبيهٌ آخَرُ) : إدغامُ النونِ الساكنةِ والتنوينِ في حُروفِ (يرملون) سواءً كان بِغُنَّةٍ أو بغَيْرِ غُنَّةٍ نوعان: ناقصٌ وكاملٌ.

فالناقصُ: هو إدغامُ النونِ الساكنةِ والتنوينِ في الواوِ والياءِ وسُمِّيَ بذلك لأنه غيرُ مُستكْمِلِ التشديدِ من أجْلِ بقاءِ الغُنَّةِ الموجودةِ في المُدغَمِ فهي بمنزلةِ حرفِ الإطباقِ الموجودِ مع الإدغامِ في نحوِ: {بَسَطْتَ} .

والكاملُ: هو إدغامُهما في اللامِ والراءِ، وكذلك في النونِ والميمِ على الصحيحِ. وجمَعَها علماءُ الضبْطِ في حروفِ"نرمل".

وسُمِّيَ كاملًا لأنه مستَكْمِلُ التشديدِ لانعدامِ المُدغَمِ ذاتًا وصِفَةً ففي إدغامِ نحوِ: {مِن رُّسُلِهِ} (البقرة: آية 285) ، {مِن مَّالِ اللهِ} (النور: آية 33) ، زالَ أثَرُ المُدْغَمِ بإبدالِه راءً عندَ الراءِ وميمًا عندَ الميمِ، كما هو واضحٌ من النطقِ بخلافِ نحوِ: {إِن يَقُولُونَ} (الكهف: آية 5) ، {مِن وَالٍ} (الرعد: آية 11) ، فإن صِفةَ المُدغَمِ لا تزالُ موجودةً وهي الغُنَّةُ، ثم كمَّلَ الناظمُ فقالَ:

68 -والقلبُ عندَ البَا بغُنَّةٍ كذا الإخْفَا لدى باقِي الحروفِ أُخِذَا

أي الحكمُ الثالثُ: الإقلابُ: وهو أن يُقلبَ كلٌّ من النونِ الساكنةِ والتنوينِ ميمًا، وتُخفى تلك الميمُ بغُنَّةٍ عندَ الباءِ الموحَّدَةِ سواءً تطرَّفَتْ النونُ نحوَ: {مِن بَعْدِ} أم توسَّطَتْ نحوَ: {أَنْبِئْهُمْ} ولا يكونُ التنوينُ إلا طَرَفًا نحوَ: {عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} ، تعريفُ الإقلابِ: ومن معانِيهِ في اللغةِ التحويلُ وفي الاصطلاحِ: جعْلُ حرفٍ مكانَ آخَرَ مع مراعاةِ الغُنَّةِ والإخفاءِ في الحرفِ المقلوبِ، وله حرفٌ واحدٌ وهو الباءُ الموحَّدَةُ فإذا وَقعَ بعد النونِ الساكنةِ سواءً أكانَ معها في كلمةٍ، أمْ في كلمتين أمْ بعدَ التنوين ولا يكونُ إلا من كلمتَيْن كما هو مقرَّرٌ أمْ بعدَ نونِ التوكيدِ الخفيفةِ، وَجبَ قلْبُ النونِ الساكنةِ أو التنوينِ أو نونِ التوكيدِ ميمًا خالصةً لفظًا لا خطًّا مُخفاةً مع إظهارِ الغُنَّةِ وذلك في نحوِ: {أَنْبِئُونِي} (البقرة: آية 31) ، {مِنْ بَعْدِهِمْ} (الشورى: آية 14) ، {واللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (التغابن: آية 4) ، ونونُ التوكيدِ نحوَ: {لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ} (العلق: آية 15) ، ولا ثانيَ لها في القرآنِ بالنسبةِ للقَلْبِ، وسُمِّيَ بالقلْبِ لقلْبِ النونِ الساكنةِ والتنوينِ ونونِ التوكيدِ ميمًا خالصةً في اللفظِ لا في الخطِّ ويُلاحظُ عدمُ كَزِّ الشَّفتين في الميمِ المقلوبةِ، ولا يَتحَقَّقُ القلْبُ إلا بثلاثةِ أعمالٍ مأخوذةٍ من التعريفِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت