فهرس الكتاب
الأوَّلُ: قلبُ النونِ الساكنةِ أو التنوينِ أو نونِ التوكيدِ الخفيفةِ ميمًا خالصةً لفظًا لا خطًّا تعويضًا صحيحًا بحيث لا يَبقى أثَرٌ بعد ذلك للنونِ الساكنةِ أو المؤكِّدةِ أو التنوينِ.
الثاني: إخفاءُ هذه الميمِ عندَ الباءِ.
الثالثُ: إظهارُ الغُنَّةِ مع الإخفاءِ, والغُنَّةُ هنا صفةُ الميمِ المقلوبةِ لا صِفةَ النونِ والتنوينِ, ويَجبُ الاحترازُ عندَ التلفُّظِ به من كَزِّ الشَّفتين على الميمِ المقلوبةِ فلتُسَكَّنِ الميمُ بتَلَطُّفٍ من غيرِ تعسُّفٍ وكذلك الحكْمُ بعَيْنِه في إخفاءِ الميمِ الساكنةِ قبلَ الباءِ، ووجْهُ القلْبِ: أنه لم يَحْسنُ الإظهارُ لأنه يَستلزمُ الإتيانَ بالغُنَّةِ في النونِ والتنوينِ ثم إطباقَ الشَّفتين من أجْلِ النطقِ بالباءِ وعَقِبِ الغُنَّةِ وفي كلِّ هذا عُسْرٌ وكُلْفَةٌ، ولم يَحسُن الإدغامُ لبُعدِ المَخرجِ وفقْدِ السببِ الموجِبِ له، ولما لم يَحْسُن الإظهارُ والإدغامُ تَعيَّنَ الإخفاءُ ثم تُوصِّلَ إليه بالقلْبِ ميمًا لمشاركتِها للباءِ في المَخرجِ وللنونِ في الغُنَّةِ.
ثم إنَّ الناظمَ رحمَه اللهُ تعالى ذَكرَ الحكْمَ الرابعَ وهو الإخفاءُ فأَخبرَ أنَّ التنوينَ والنونَ الساكنةَ، تُخفَيان بغُنَّةٍ عندَ بقيَّةِ الحروفِ وهي خمسةَ عشرَ حرفًا وعُلمَ أن هذا الإخفاءَ يكون بالغُنَّةِ من تشبيهِ الناظمِ رحِمَه اللهُ تعالى بالقلْبِ عند الباءِ بغُنَّةٍ بقولِه {كَذَا} سواءً تَطرَّفَت النونُ أمْ توسَّطَتْ, والتنوينُ لا يكونُ إلا في الطرَفِ كما تقدَّمَ.
تعريفُ الإخفاءِ: الإخفاءُ لغةً السَّتْرُ، وفي الاصطلاحِ: هو عبارةٌ عن النطقِ بحرفٍ ساكنٍ عارٍ من التشديدِ على صفةٍ بينَ الإظهارِ والإدغامِ مع بقاءِ الغُنَّةِ في الحرفِ الأَوَّلِ، وهو هنا النونُ الساكنةُ والتنوينُ والميمُ الساكنةُ في الإخفاءِ الشَّفَويِّ وحروفُه هنا خمسةَ عشرَ حرفًا وهي الباقية من الحروفِ الهجائيَّةِ بعد إسقاطِ الحروفِ المتقدِّمةِ للأحكامِ الثلاثةِ السابقةِ التي هي الإظهارُ والإدغامُ والقلْبُ، وقد جمَعَها الجمزوريُّ في التُّحفةِ بقولِه:
صِفْ ذَا ثَنا كمْ جادَ شخصٌ قد سَمَا * دُمْ طيِّبًا زِدْ في تُقًى ضَعْ ظَالما
وهي الحرفُ الأوَّلُ من كلِّ كلمةٍ، مثلُ {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} (البقرة: آية 86) {أنْ صَدُّوكُمْ} (المائدة: آية 2) ، (رِيحًا صَرْصَرًا(القمر: آية 19) وبقيَّةُ الأمثلةِ لا تَخفَى.
ووجْهُ هذا الإخفاءِ: أن النونَ الساكنةَ والتنوينَ لم يَبعُدَا عن حروفِ الإخفاءِ كبُعدِهما عن حروفِ الحلْقِ حتى يجبَ الإظهارُ، ولم يَقرُبا منهن كقربِهما من حروفِ الإدغامِ حتى يجبَ الإدغامُ فلما عُدِمَ البُعدُ الموجِبُ للإظهارِ، والقرْبُ الموجِبُ للإدغامِ أُعطِيَا معهن حكْمًا وسَطًا بين الإظهارِ والإدغامِ، هو الإخفاءُ، وكيفيَّتُه كما صرَّحَ به غيرُ واحدٍ من أئمَّتِنا كالحافظِ القَسطلانيِّ أن يكونَ هناك تَجَافٍ بينَ اللسانِ والثَّنايا العُليا، أو بعبارةٍ أُخرى أن يَجعلَ القارئُ لسانَه بعيدًا عن مَخرجِ النونِ قليلًا، فيَقعَ الإخفاءُ الصحيحُ.
مراتبُ الإخفاءِ: الإخفاءُ على ثلاثِ مراتبَ.