فهرس الكتاب
أما الأصْلُ في المَدِّ فهو حديثُ موسى بنِ يزيدَ الكِنديِّ قالَ: كان ابنُ مسعودٍ يُقرئُ رجلًا فقَرأَ الرجلُ {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} مرسَلةً يعني مقصورةً فقالَ ابنُ مسعودٍ: ما هكذا أَقرأَنِيها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقالَ وكيفَ أَقرأكَها؟ قالَ: أَقرأنيها {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ} فمَدَّها وقد خرَّجَه السيوطيُّ في الدُّرِّ المنثورِ فقالَ: أخرجَه سعيدُ بنُ منصورٍ والطبرانيُّ وابنُ مرْدَوَيْهِ، وذكَره الحافظُ ابنُ الجَزْرِيِّ في النشْرِ بِسندِه إلى ابنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه بِلفظٍ مقارِبٍ وقالَ فيه هذا حديثٌ حُجَّةٌ ونَصٌّ في هذا البابِ رجالُ إسنادِه ثقاتٌ رَواه الطبرانيُّ في معجَمِه الكبيرِ، انتهى من النشْرِ بلفظِه 1/ 315.
أقولُ هذا أصلٌ في بابِ المَدِّ خُصوصًا وفي وُجوبِ التجويدِ عُمومًا.
ومن الأدلَّةِ على المَدِّ عمومًا، ما رَواه البخاريُّ في صحيحهِ: بابُ مَدِّ القِراءةِ عن قَتادةَ قالَ: سألتُ أنسَ بنَ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ عن قراءةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقالَ: (كَانَ يَمُدُّ مَدًّا) ، ورواه النسائيُّ عن قتادةَ بلفظِ: سألتُ أنَسًا كيفَ كانت قراءةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ قالَ: (كَانَ يَمُدُّ صَوْتَهُ مدًّا) .
الفرْقُ بينَ حروفِ المَدِّ واللِّينِ وحرفا اللِّينِ وشروطُ كلٍّ:
أما حروفُ المدِّ واللِّينِ فثلاثةٌ يَجمعُها لفظُ"واي"وهي الواوُ الساكنةُ المضمومُ ما قبلَها نحوَ: {يَقُولُ} والألفُ الساكنةُ المفتوحُ ما قبلَها نحوَ: {قَالَ} والياء الساكنةُ المكسورُ ما قبلَها نحوَ: {وَقِيلَ} ويَجمعُ الكلَّ بشروطِها المذكورةِ الكلماتُ التاليةُ: (نُوحِيهَا) (هود: آية 49) ، (وَأُوتِينَا) (النمل: آية 42) ، (أُوذِينَا) (الأعراف: آية 129) ، وتُسمَّى الحروفُ الثلاثةُ هذه حروفَ المدِّ واللِّينِ، لخروجِها بامتدادٍ ولِينٍ من غيرِ كُلفةٍ على اللسانِ لاتِّساعِ مَخرجِها.
وأما حرْفا اللِّينِ: فهما الواوُ والياءُ الساكنتان المفتوحُ ما قبلَهما نحوَ قولِه تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (يونس: آية 62) وسُمِّيَا بذلك لخروجِهما بلِينٍ وعدَمِ كُلفةٍ على اللسانِ، وقد تقدَّمَ في بابِ الصفاتِ معنى اللِّينِ لغةً واصطلاحًا.
ويُستفادُ مما سَبقَ أن الواوَ والياءَ تارةً تُوصفان بحرْفَيِ المَدِّ واللينِ وذلك إذا سَكَنَتَا وانكسَرَ ما قبلَ الياءِ وانضمَّ ما قبلَ الواوِ، وتارةً تُوصفان بحرَفَيِ اللِّينِ فقط، وذلك إذا سَكَنَتَا إثرَ فتْحٍ، وإذا خَلَتا من هذين الوصْفَيْن بأن كانتا متحرِّكتين بأيِّ حركةٍ كانتا حرفَيْ علَّةٍ فقط والأمثلةُ غيرُ خفيَّةٍ وأمَّا الألِفُ فلا تُوصفُ إلا بحرفِ المدِّ واللِّينِ، وهذا الوصْفُ لازمٌ لها، لأنها لا تَتغيَّرُ عن سكونِها ولا عن فتْحِ ما قبلَها بخلافِ الواوِ والياءِ في أحوالِهما الثلاثةِ المتقدِّمةِ، ومما تَقدَّمَ يُفهمُ أن اللِّينَ يَصدُقُ على حرفِ المدِّ فيقالُ: حرفُ مَدٍّ ولِينٍ بخلافِ العكْسِ، فلا يُوصفُ اللينُ بالمَدِّ إلا إذا كان هناك سببٌ يَقتضي المَدَّ.
وقد أشارَ العلَّامةُ الجَمْزُورِيُّ إلى هذا في تُحفتِه بقولِه:
حروفُه ثلاثةٌ فعِيهَا ... من لفظِ واي وهي في نُوحِيها
والكسرُ قبلَ الياءِ وقبلَ الواوِ ضَمْ شرطٌ وفتحٌ قبلَ كلٍّ يُلتَزَمْ
واللِّينُ منها الياءُ وواوٌ سَكَنا إن انفتاحٌ قبلَ كلٍّ أُعْلِنَا
أقسامُ المدِّ وأسبابُه وأنواعُه وأحكامُه: