الصفحة 93 من 133

فأمَّا أقسامُه فهي اثنان، أصليٌّ وفرعيٌّ، ولا ثالثَ لهما، فالأصليُّ هو الذي لا سَببَ له ولا تُجتلبُ حروفُ المدِّ بدونِه، ويُسمَّى طَبيعيًّا لأن صاحبَ الطبيعةِ السليمةِ لا يُنقِصُه عن حدِّه ولا يَزيدُه عن مِقدارِه، ويُسمَّى ذاتيًّا، لأن ذاتَ الحرفِ لا تقومُ إلا به، وذلك نحوَ: ألِفِ {الْعَالَمِينَ} ، وهذا المَدُّ خاصٌّ بالأصليِّ، والمَدُّ الفرعيُّ هو الذي يتوقَّفُ على سببٍ من همْزٍ أو سكونٍ وأنواعُه خمْسةٌ: المتَّصِلُ، المنفصِلُ، والبَدلُ، وسببُ المَدِّ في هذه الثلاثةِ هو الهمْزُ، والعارضُ للسكونِ واللازمُ وسببُ المدِّ فيهما هو السكونُ عارضًا أو لازمًا، مثلُ (جاءَ) و (حَاجَّهُ) فإن الزيادةَ على مِقدارِ المَدِّ الطبيعيِّ سببُها الهمزُ في المثالِ الأوَّلِ، والسكونُ في المثالِ الثاني، وتقسيمُه إلى هذين القسمين بالنظرِ للتعريفِ.

وأما أسبابُه: فاثنان لا ثالثَ لهما من طريقِ الشاطبيَّةِ وهما الهمزُ والسكونُ أمَّا الهمْزُ فإنه يكونُ سابقًا على حرفِ المَدِّ وهو البدَلُ ولاحِقًا به، واللاحقُ يكون متَّصلًا بالمَدِّ ومنفصِلٌ عنه، وأما السكونُ فلا يكونُ إلا لاحقًا، ويكونُ لازمًا وعارِضًا للوقْفِ وهذان السببان للمَدِّ الفرعيِّ فقط كما تَقدَّمَ في تعريفِه، فإن وُجدَ أحدُهما زِيدَ في حرفِ المَدِّ على مِقدارِ المَدِّ الطبيعيِّ وإلا حُرِّمَ المَدُّ إجماعًا إذ السببُ ما يَلزمُ من وجودِه الوجودُ ومن عدمِه العدَمُ.

وأما شروطُ المَدِّ الفرعيِّ فهي في حروفِ المَدِّ الثلاثةِ، وقد اجتَمعت الثلاثةُ، بشروطِها في كلمةِ (نُوحِيها) ، (وَأُوتِينَا) فالحركاتُ الثلاثُ شروطُ حروفِ المَدِّ الطبيعيِّ وحروفُ المَدِّ الطبيعيِّ شروطٌ للمَدِّ الفرعيِّ، إذ الشرطُ ما يَلزمُ من عدمِه العدمُ ولا يَلزمُ من وجودِه وجودٌ ولا عدَمٌ، فيَلزمُ من عدَمِ وجودِ الحركاتِ المجانسةِ عدَمُ وجودِ حروفِ المَدِّ ولا يَلزمُ من وجودِها وجودُ الحروفِ المدِّيَّةِ ولا عدمِ وجودها ويلزم من عدم وجودِ الحروفِ المدِّيَّةِ عدَمُ وجودِ المدِّ الفرعيِّ ولا يلزمُ من وجودِها وجودُه ولا عدمُ وجودِه ولا يَخفى أن الشرطَ وجودُ أحدِها، لا جميعِها، وتُسمَّى هذه الحروفُ حروفَ مدٍّ ولِينٍ لامتدادِ الصوتِ بها، وخروجِها في لِينٍ وعدَمِ كُلفةٍ وأصلُ المَدِّ واللِّينِ للألِفِ لأنها لا تَتغيَّرُ عن سكونِها ولا يَتغيَّرُ ما قبلَها عن الحركةِ المجانسةِ لها وهي الفتحُ وليست الواوُ والياءُ كذلك وإنما يُشبِهان الألِفَ إذا سَكَنا وكانت حركةُ ما قبلَهما مجانسةً لهما.

وتُسمَّى هذه الأحرفُ أيضًا خفيَّةً لخفاءِ النطقِ بها خُصوصًا الألفُ ولذا قالَ بعضُهم: حروفُ المدِّ أَخْفَى الحروفِ وأخفاهن وأوسعُهن الألفُ، لانفتاحِ الحلْقِ والفمِ عندَها، ثم الياءُ لأن في الواوِ إعمالُ الشَّفتين معًا فيَضْعُفُ مَخرجُها.

وإنما اختُصَّتْ هذه الحروفُ بالمَدِّ دونَ غيرِها، لأنها أصواتٌ والحركاتُ مأخوذةٌ منها، فامتدادُ الصوتِ بها ممكنٌ ويَسوغُ فيه التطويلُ والتوسُّطُ والتقصيرُ ولا يَسوغُ ذلك في شيءٍ من الحروفِ سواهُنَّ ولذلك جازَ وقوعُ الساكنِ المدغَمِ بعدَهن من أجْلِ أن المدَّ عِوَضٌ من الحركةِ، وحروفُ اللِّينِ اثنان الواوُ والياءُ الساكنتان المفتوحُ ما قبلَهما، نحوَ: شَيْءٌ، وخَوْفٌ ولا مَدَّ فيهما أصْلًا إلَّا طبيعيًّا ولا زيادةَ عليه إلا إذا تَلاهُما همْزٌ أو سكونٌ في كلمتيهما نحوَ: (السُّوءُ) و (شَيْءٌ) ففيهما التوسُّطُ والمدُّ لوَرْشٍ خاصَّةً أو ساكنٌ لازمٌ كعَيْنٍ من فاتِحَتَيْ مريمَ والشورى ففيهما التوسُّطُ والمدُّ، أو سكونٌ عارضٌ لوقْفٍ أو إدغامٍ، كـ"لَا رَيْبَ"و {يَا قَوْمِ مَا لِي} عندَ من أَدغمَ ففيهما القصْرُ والتوسُّطُ والمَدُّ، ولا يَجوزُ مدُّهما في غيرِ ذلك، إجماعًا، وإنما قَبِلَا المَدَّ عندَ وُجودِ هذين السببين لأنهما سَبَبَا لِينِهما وعدَمِ صلابتِهما يُشبِهان حروفَ المَدِّ ولا وُجودَ لكَسْرِ ما قبْلَ الواوِ لوجوبِ قلبِها ياءً كمِيقات إذ الأَصْلُ مَوْقَات قُلبَت الواوُ ياءً لسكونِها بعدَ كسرةٍ ولا وُجودَ لضَمِّ ما قبلَ الياءِ لوُجوبِ قلبِها واوًا كمُوقِن أصلُه مييقن قُلِبَت الياءُ واوًا لوقوعِها ساكنةً بعد ضمَّةٍ فَهُما حرْفا علَّةٍ فتَحصُلُ للواوِ والياءِ ثلاثُ حالاتٍ، حالةٌ يكونان فيهما حرْفَيْ مَدٍّ ولِينٍ وذلك إذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت