الصفحة 94 من 133

سَكَنا وجانسَهما ما قبلَهما بأن انضَمَّ ما قبلَ الواوِ وانكَسَرَ ما قبلَ الياءِ وحالةٌ يكونان فيهما حرْفَا لِينٍ وذلك إذا سَكَنتا وانفتحَ ما قبلَهما وحالةٌ يكونان فيها حرْفَيْ علَّةٍ شبيهان بالصحيحِ وذلك إذا تَحرَّكَتا، فالنسبةُ بينَ المَدِّ واللِّينِ العمومُ والخصوصُ المطلَقُ، لاجتماعِهما في نحوِ: نُوحيها وانفرادِ اللِّينِ عن المَدِّ في نحوِ: خَوْف وبَيْت ولا يَنْفردُ المدُّ عن اللِّينِ، فكلُّ حرفِ مدٍّ حرفُ لينٍ ولا عكْسَ أي ليسَ كلُّ حرفِ لينٍ حرفَ مدٍّ، وكما يُطلقُ حرفُ العلَّةِ على المتحرِّكِ يُطلقُ على الساكنِ، فهو أعمُّ الثلاثةِ والمدُّ أخصُّها واللينُ أخصُّ من العلَّةِ وأعمُّ من المدِّ، ونظَمَ بعضُهم تعاريفَها في بيتَيْن فقالَ:

الياءُ والواوُ حروفُ عِلَّةٍ أبدا * ولِينٍ إن سَكَنا من غيرِ تَقييدِ

وإن يُجانسْهما ما قبلُ فاعرِفْهما * للمدِّ أيضًا كما في الجودِ والجيدِ

وأما الألِفُ، فلا يكونُ إلا حرفَ مدٍّ ولِينٍ، وقال بعضُهم إن إطلاقَ اللِّينِ على حرفِ المدِّ منظورٌ فيه للمعنى اللُّغويِّ، لا الاصطلاحيِّ، فحرفُ المَدِّ وإن جانَسَه ما قبلَه وحرفا اللِّينِ واوٌ وياءٌ سَكَنا وانفَتحَ ما قبلَهما فالنسبةُ بينَهما التَّبايُنُ.

وأما أحكامُ المَدِّ فهي ثلاثةٌ: الوجوبُ والجوازُ واللَّزومُ.

فالواجبُ: هو الذي أَتى بعدَه همزةٌ في كلمتِه نحوَ: {جَاءَ} و {السُّوءُ} و {تَفِيءَ} ويُسَمَّى متَّصِلًا أيضًا وإنما سُمِّيَ واجبًا لوجوبِ مَدِّه عندَ كلِّ القرَّاءِ وسُمِّيَ متَّصلًا لاتِّصالِ حُروفِ المدِّ بالهمْزِ في كلمةٍ واحدةٍ وله محَلُّ اتِّفاقٍ ومحَلُّ اختلافٍ, فمحَلُّ الاتِّفاقِ هو اتِّفاقُهم على اعتبارِ أثَرِ الهمزةِ فيه من زيادةِ المدِّ على مقدارِ المدِّ الطبيعيِّ, فكلُّهم مجمِعون على تلكَ الزيادةِ لا يُعرفُ عن واحدٍ منهم خلافٌ فيها، قالَ ابنُ الجَزْرِيِّ تتبَّعْتُ قصْرَ المتَّصِلِ فلم أجِدْه في قراءةٍ صحيحةٍ ولا شاذَّةٍ بل رأيتُ النصَّ بمدِّه، فَعِلَّةُ إجماعِ القرَّاءِ على مدِّ المتَّصِلِ أن الهمزةَ قد لزِمَت الكلمةَ، وصارَ اجتماعُها مع الحرفِ الممدودِ لازمًا لا يُفارقُها إذ لا يمكنُ الوقوفُ على حرفِ المدِّ واللِّينِ فيَنفصلُ من الهمزةِ فلزِمَ المدُّ لذلك، وأجمَعُوا عليه، ومحَلُّ الاختلافِ هو تَفاوتُهم في مِقدارِ الزيادةِ كما سَبقَ، فقَالُونُ وأبو عمرٍو يمدُّونَه قدْرَ ألِفٍ ونصْفٍ وابنُ عامرٍ والكِسائيُّ يَمُدَّانه بقدْرِ ثلاثِ ألِفاتٍ، هذا إذا اعتَبَرْنا أن مراتبَ المدِّ أربعةٌ، فإن اعتَبَرْنا المراتبَ اثنين فقط فورْشٌ وحمزةُ يَمُدَّانِه بقدْرِ ثلاثِ ألِفَاتٍ، والباقون يَمدُّونَه بقدْرِ ألِفَيْن، والألفُ بمقدارِ عقْدِ أُصبُعِكَ مرَّتين وهو المعبَّرُ عنه بقدْرِ حركتَيْن، هذا هو المتلَقَّى عن الشيوخِ وهذا تقريبٌ ولا يُضبطُ إلا بالمشافَهَةِ أي الأخْذُ من أفواهِ المشايخِ المتْقِنين مع الإدمانِ أي الِاستمرارِ على القراءةِ وإنما اتَّفَقوا على مَدِّه لأن حرفَ المدِّ ضعيفٌ وخَفِيٌّ والهمْزُ قويٌّ وصعبٌ فزِيدَ في حرفِ المدِّ تقوِيَةً لضعْفِه، وقيلَ ليُتمكَّنَ من النطقِ بالهمْزةِ على حقِّها، وإلى المدِّ الواجبِ وحكمِه أشارَ الناظمُ بقولِه:

71 -فواجبٌ إن جاءَ قبلَ همزةِ متَّصلًا إن جُمِعَا بكلمةِ

والمدُّ المتَّصلُ أحدُ أنواعِ المدِّ الفرعيِّ الخمسةِ، وسببُ المدِّ فيه الهمزُ.

ويَلِيه المدُّ الجائزُ وهو المنفصِلُ والبَدَلُ والعارِضُ للسكونِ واللازمُ.

والجائزُ ثلاثةُ أقسامٍ: منفصِلٌ وبدَلٌ، وعارِضٌ للسكونِ، فالمنفصِلُ هو أن يأتيَ بعدَ حرفِ المدِّ همزٌ في أوَّلِ الكلمةِ الثانيةِ، نحوَ: {يَا أَيُّهَا} {قَالُوا آمَنَّا} ، {عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ} عندَ من وصَلَ الميمَ، وسُمِّيَ جائزًا لِجوازِ قصْرِه ومدِّه وسُمِّيَ منفصِلًا لانفصالِ حرفِ المدِّ عن الهمزةِ في كلمةٍ أخرى، وليس له محَلُّ اتِّفاقٍ بل محَلُّ اختلافٍ فقط، وهو اختلافُهم في قصْرِه ومدِّه، فابنُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت