فهرس الكتاب
رفع «صبر» لما وصفه، فقا: صبرٌ جميلٌ، لولا ذلك لنصب «صبرًا» على الأمر، وتقول: أمري وأمرك صبرٌ جميل، قال طرفة: [طويل]
(219) أبا منذرٍ أفنيت فاستبق بعضنا = حنانيك بعض الشر أهون من بعض
كأنه قال «رحمتيك» ، لأن التحنن من الرحمة، أي: ارحمنا رحمةً بعد رحمة.
[المحلى: 128]
وأما قولك: لبيك، إنما يريدون: قربًا ودنوا، على معنى: إلباب بعد إلباب، أي: قرب بعد قرب، ويقال: ألب الرجل بمكان كذا وكذا، أي أقام، وكان الوجه أن يقال: لبيتك، إلا أنهم شبهوا ذلك باللبب، فإذا اجتمع في الكلمة حرفان غيروا الحرف الأخير، كما قال الله جل وعز: {وقد خاب من دساها} ، والأصل: دسسها، فقالوا: «لبيك» : قربت وأقمت.
قال الشاعر: [متقارب]
(220) دعوت لما نابني مسورًا = فلبى فلبي يدي مسور
وإذا قالوا: يا لب، فإنما يريدون: قربتُ منك مرةً واحدةً، وإذا قالوا: لبيك، أرادوا: أنا قريبٌ أنا قريبٌ، مرتين.
[المحلى: 129]
15 -الرفع بالتحقيق
والرفع بالتحقيق قولهم: لا رجل إلا زيدٌ، و: لا إله إلا الله، رفعت اسم الله و «زيد» على التحقيق، ولأنه لا يجوز أن تسكت دون تمامه، ألا ترى أنك إذا قلت «لا رجل» لم يكن كلامك تامًا حتى تقول «إلا زيد» ، وأما قول الأعشى: [وافر]
(221) وكل أخٍ مفارقه أخوه = لعمرُ أبيك إلا الفرقدان
رفع «الفرقدان» لأنه أراد: والفرقدان يفترقان، فجعل «إلا» تحقيقًا، وقال بعضهم: جعل «إلا» في موضع الواو، ومثله قوله تعالى في يونس: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا} ، معناه: فهلا كانت قريةٌ آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس، أي: وقوم يونس لما آمنوا، و «إلا» في موضع الواو، وإنما نصب «قوم يونس» لأن «إلا» بمعنى لكن قوم يونس، لأن «إلا» تحقيق و «لكن» تحقيق.