فهرس الكتاب
(فيلزمه) أي يلزم ما ذكر من المنضم والمنضم إليه (علمه بكل جزئي جزئي) خلافا للفلاسفة في قولهم إنه تعالى يعلم الكليات وإنه إنما يعلم الجزئيات على وجه كلي لا على الوجه الجزئي وهو باطل إذ كيف يوجد ما لا يعلمه وقد أرشد إلى هذا الطريق قوله تعالى {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] وسنبين معنى صفة العلم في حقه تعالى وههنا تنبيهات ثلاثة أحدها أن في قوله وهو مشاهد منها كمال الإحسان تنبيها على أن حكمنا بأنها كذلك هو بحسب ما نشاهده بأبصارنا وبصائرنا بأن تدركه عقولنا وتصل إليه أفهامنا حتى نقضي بأنه غاية الإحسان عندنا لا بمعنى أنه لا يكمن في مقدورات الباري تعالى ما هو أبدع منها كما هو
فيلزمه علمه بكل جزئي جزئي) قلت اتفق جمهور العقلاء على أن الله تعالى عالم بما يجري في ملكه إلا طائفة من قدماء الفلاسفة ثم اختلف الجمهور فذهب المحققون من أهل الملة إلى أنه عالم بذاته وبجميع الأشياء وزعمت الدهرية أنه يعلم ذاته وقال الباقون من الفلاسفة إنه عالم بالكليات والجزئيات على الوجه الكلي لا على الوجه الجزئي أما أنه عالم فلأن العلم صفة كمال والجهل صفة نقصان فيجب تنزيه الذات عنه وأما أنه تعالى عالم بذاته فلأن العلم هو حصول المدرك عند المدرك فكل من حضر عنده شيء فهو عالم به وذات واجب الوجود حاضرة لذاته لقيامها بذاتها مستغنية عن الغير فيكون عالما بذاته وأما أنه تعالى عالم بجميع الأشياء فذكر في الكتاب أنه لما ثبت وحدانيته في الألوهية ثبت استناد كل الحوادث إليه ويستلزم ذلك قدرته عليه بما يفعل إلى آخر ما تقدم قبله وأعلاه والتصريح بالتفصيل عالم بجميع الأشياء لأنه فاعل بالاختيار في جميع الأشياء والفاعل المختار يجب أن يعلم ما يقصد إيجاده أما المقدمة الأولى فلأنه لو كان موجبا باذات لكان أثره لازما لوجوده فيكون قديما وإلا لكان صدوره في وقت دون ترجيحا من غير مرجح فيلزم قدم العالم وأيضا لو كان موجبا بالذات لزم من دوامه دوام معلوله ومن دوام معلوله دوام معلول معلوله فيلزم دوام جميع الآثار الصادرة عنه وهو محال فإن الضرورة تشهد