قال: هاتِ وناول ، فكلامك بالحقِّ أشبه منه بالباطل.
قلت: هذه البيّنة التي تطلبها على تغليط الراوي ، هل لك أن تضرب لها مثلًا ، وسنضرب لك في طلبها أجلًا؟
قال: والله إنه لأمر عجب ، فإنّها ما خطرت ببالي على كثرة بحثي في الحديث واشتغالي بالكتب.
عاجلته الجواب ، وقد بدا غسق الصواب: أما رأيت كيف عطّلتم هذا الحكم وغرضكم تحرّيه ، كما عطّل الجهميّة الصفات بحجّة التنزيه؟
أتريدون في غلط الثقة شاهدين عدلينِ يشهدان أن فلان بن فلان غلط في هذا الحديث؟
أم تجتزئون بشاهدٍ ويمين؟!
أما استغربتم حين أصّلتم فأغربتم: أنّ الراوي الثقة لا يغلط عندكم أبدًا؟ هبه سلّم لكم في سفيان وشعبة؟ فكيف تطردون هذا الأصل حتّى في الصدوق ومن خفّ ضبطه؟
-أليس من سنّة الفقهاء أنّ بيِّنَةَ كُلِّ شَيءٍ بحسبه؟ والبيّنة كلّ ما يبيّن الحقَّ ويوضحه كما ذكر ابن القيم.
-ألم يعمل القضاة والحكّام في أصول الأحكام بالقرائن القويّة إذا عدموا البيّنة أو كانت خفيّة؟
-أليست تقبل شهادة القابلة في ثبوت الفراش والنسب؟
-وشهادةُ الصِّبْيَان في جراحاتهم إذا لم يتفرّقوا على الصّحيح الّذي ذهب إليه جمع من المحقّقين؟
ألا يكفيك من البيّنة على غلط الراوي أنّ أعرف النّاس به ، وهو الّذي قبلت توثيقه له دون سؤال عن سببه ، أخبرك أنّه غلِط؟
ألم ترَ البيّنة بيّنةً حين جاء الثّقة إلى شيخٍ حافظٍ له أصحابٌ حفَّاظ ، يلازمونه الليل والنهار لا يفترون ، ويضبطون حديثه كتابًا ويحفظون ، ثمّ روى عنه ما لم يروه غيره دون أن يشاركهم في حديثه المشهور؟
ألم ترَه روى الحديث بأصحّ إسناد وأشهر ، ورواه أصحاب الشيخ بإسناد غريب مستنكر؟
أتُراهم أعرضوا عن صحيح حديث شيخهم وتتّبعوا مناكيره؟ أم عرفوا نوادر مرويِّه وجهلوا مشاهيره؟