فهرس الكتاب
(للشَّفَتَينِ الواوُ باءٌ ميمُ) أي: مَخْرَجُ هذه الثلاثةِ خاصٌّ للشفتينِ، حيثُ تخرجُ مِن بينِ الشفةِ العُلْيَا والسفلى، إلا أنَّ الواوَ بانفتاحٍ، والباءَ والميمَ بانطباقٍ، إلا أنَّ انطباقَهما معَ الباءِ أقوى مِن انطباقِهما معَ الميمِ، فكانَ يَنْبَغِي تأخيرُ الواوِ عنهما لذلكَ، كما فعلَ مكيٌّ حيثُ قَدَّمَ الباءَ وذكَرَ الميمَ عَقِبَها وختمَ بالواوِ، والمرادُ بالواوِ غيرُ المديَّةِ.
(وغُنَّةٌ مَخْرَجُها الخيشومُ) أي: أقصى الأنفِ، وبرهانُ الغُنَّةِ في سدِّ الأنفِ ولهذا لو مَسَكْتَ الأنفَ لم يُمْكِنْ خروجُها، ثُمَّ الغُنَّةُ مِن الصفاتِ؛ لأنَّها صوتٌ أَغَنُّ لا عملَ للسانِ فيه، فكانَ اللائقُ ذِكْرَها معَ الصفاتِ لا معَ مَخَارِجِ الذواتِ، قالَ ابنُ المصنِّفِ:"والغُنَّةُ صفَةُ النونِ ولو تنوينًا والميمُ المُدْغَمتانِ والمُخْفَاتَانِ وقالَ الجُعْبُرِيُّ: الغُنَّةُ صفةُ النونِ ولو تنوينًا والميمُ تَحَرَّكَتَا أو سَكَنَتَا ظاهرتينِ أو مُخْفَاتَيْنِ أو مُدْغَمَتَيْنِ وهذا معنى قولِ الدانيِّ: وأمَّا الميمُ والنونُ فيُجافَى بهما اللسانُ إلى موضعِ الغُنَّةِ مِن غيرِ قيدٍ وهي في الساكنِ أكملُ مِن المُتَحَرِّكِ وفي المَخْفِيِّ أزيدُ مِن المُظْهَرِ وفي المُدْغَمِ أولى مِن المَخْفِيِّ عندَ مُثْبِتِها، وقولُ الشاطبيِّ:"
وغُنَّةُ تنوينٍ وميمٍ إن ... سَكنَّ ولا إظهارَ في الأنفِ يُجْتَلاَ
أي: إذا سَكَنَا أو أُخْفِيَا أو أُدْغِمَا، وقولُ مكيٍّ: الساكنانِ قيدٌ لكمالِ الغُنَّةِ لا أصلِها لما تقدَّمَ, واللهُ أعلمُ ا هـ. ولذا قالََ بعضُهم: مَخْرَجُ حرفِها، قالَ ابنُ المصنِّفِ: وكانَ ينبغي أنْ يذكرَ هنا عِوَضًا عنها مَخْرَجَ النونِ المُخْفَاةِ؛ فإنَّ مَخْرَجَها مِن الخيشومِ, وهي حرفٌ بخلافِ الغُنَّةِ.
قلتُ: ولهذا قالَ بعضُ الشُّرَّاحِ: أي: مَخْرَجُ مَحَلِّهَا مِن النونِ والميمِ، وفيه: أنَّ مَخْرَجَ مَحَلِّها مِن النونِ والميمِ قد سبقَ، وأنَّ النونَ المُخْفَاةَ مُرَكَّبَةٌ مِن مَخْرَجِ الذاتِ, ومِن تحقُّقِ الصفةِ في تحصيلِ الكمالاتِ، وقد أغربَ الشارحُ اليمانيُّ حيثُ قالَ:"الغُنَّةُ تارةً تكونُ صفةً، وتارةً تكونُ حرفًا، وهي النونُ والميمُ المُدْغَمَتَانِ والمُخْفَاتَانِ، وهو مذهبُ المصنِّفِ"ا. هـ.
وغرابتُه ممَّا لا يَخْفَى، وعلى كُلِّ تقديرٍ فعَدُّ الغُنَّةِ من مَخَارِجِ الحروفِ السبعةَ عشَرَ لا يَخْلُو مِن إشكالٍ، فتدبَّرْ.
ثُمَّ رأيتُ المصنِّفَ ذكَرَ في النشرِ: أنَّ المَخْرَجَ السابعَ عشَرَ الخيشومُ، وهو للغُنَّةِ، وهي تكونُ في النونِ والميمِ الساكنتينِ حالةَ الإخفاءِ أو ما في حكمِه مِن الإدغامِ بالغُنَّةِ، فإنَّ مَخْرَجَ هذينِ الحرفينِ يتحوَّلُ في هذه الحالةِ عن مَخْرَجِهما الأصليِّ، على القولِ الصحيحِ، كما يتحوَّلُ مَخْرَجُ حروفِ المدِّ مِن مَخْرَجِه إلى الجوفِ على الصوابِ، وقالَ سيبويهِ: إنَّ مَخْرَجَ النونِ الساكنةِ مِن مَخْرَجِ النونِ المتحرِّكَةِ، إنَّما يريدُ به النونَ المُظْهَرَةَ ا. هـ. ... وقد نصَّ مكيٌّ في (الرعاية) على أنَّ الغُنَّةَ نونٌ"ساكنةٌ خَفِيَّةٌ"تخرجُ مِن الخياشيمِ، وهي تكونُ تابعةً للنونِ الساكنةِ الخالصةِ السكونِ غيرِ المُخْفَاةِ وهي التي تَتَحَرَّكُ مَرَّةً وتُسَكَّنُ مَرَّةً، وللتنوينِ والميمِ الساكنةِ، ثمَّ قالَ: والغُنَّةُ حرفٌ مجهورٌ شديدٌ لا عملَ للسانِ فيها، وقد صرَّحَ الجَارَبَرْدِيُّ أنَّ النونَ الساكنةَ المُخْفَاةَ تُسَمْىَ غُنَّةً وأنَّهَا مِن الحروفِ المتفرِّعَةِ، ثمَّ