فهرس الكتاب
بابُ صفاتِ الحروفِ:
الصفةُ: ما قامَ بالشيءِ مِن المَعْاني كالعلمِ والسوادِ، وقد تُطْلَقُ الصفةُ ويرادُ بها النعتُ النحويُّ، والمرادُ بها هنا: عوارضُ تَعْرِضُ للأصواتِ الواقعةِ في الحروفِ من الجهرِ والرَّخاوةِ والهمسِ والشدَّةِ وأمثالِ ذلكَ، فالمَخْرَجُ للحرفِ كالميزانِ يُعْرَفُ به ماهِيَّتُه وكِمِّيَّتُه، والصفةُ كالمَحَكِّ والناقدِ, يُعْرَفُ بها هيئتُه وكيفيَّتُه وبهذا يتميَّزُ بعضُ الحروفِ المشتركةِ في المَخْرَجِ عن بعضِها حالَ تأديتِه، ولولا ذلكَ لكانَ الكَلَامُ بمنزلةِ أصواتِ البهائمِ التي لها مَخْرَجٌ واحدٌ وصفةٌ واحدةٌ فلا يُفْهَمُ منها المَرامُ، وهذا معنى قولِ المازنيِّ: إذا هَمَسْتَ وجَهَرْتَ، وأَطْبَقْتَ، وفَتَحْتَ اختلفتْ أصواتُ الحروفِ التي مِن مَخْرَجٍ واحدٍ، وقالَ الرُّمَّانِيُّ وغيرُه: لولا الإطباقُ لصارتْ الطاءُ دالًا؛ لأنَّه ليسَ بينهما فرقٌ إلا الإطباقُ، ولصارتْ الظاءُ ذالًا، ولصارت الصادُ سينًا، فسبحانَ مَن دَقَّتْ في كُلِّ شئٍ حكمتُه، رُوِيَ أنَّ الإمامَ أبا حنيفةَ رحمَهُ اللهُ تعالى ناظرَ مُعْتَزِلِيًّا فقالَ له: قلْ: (با) , فقالَ: با ثُمَّ قالَ: قلْ: (حا) ، فقالَ: حا, فقالَ له: بَيِّنْ مَخْرَجَهُمَا. فبيَّنهُما فقالَ: إنْ كنتَ خالقَ فَعْلِكَ فأخرجِ الباءَ مِن مَخْرَجِ الحاءِ فَبُهِتَ المُعْتَزِلِيُّ.
وصفاتُ الحروفِ منها ماله ضِدٌّ، ومنها ما ليسَ له ضدٌّ، كما سيأتي بيانُهمَا، وإنَّما ذكرَ الشيخُ رحمَهُ اللهُ هنا صفاتِهما المشهورةَ اللائقَةَ لمقدَّمَتِه المُخْتَصَرَةِ، وإلا فقدْ ذكَرَ بعضُهم أنَّ لها أربعةً وأربعينَ صفةً، وزادَ بعضُهم عليها كما في الكتبِ المبسوطةِ، فذكرَ المصنِّفُ مِن صفاتِها سبعةَ عشَرَ نوعًا: منها الجَهْرُ، والرِّخْوَةُ، والاستعلاءُ، والانفتاحُ، والإصماتُ، بحسبِ ما اتُّفِقَ له مِن الوزنِ تارةً بلفظِ المصدرِ، وأُخْرَى بصيغةِ الوصفِ، وستأتي معَانيها معَ أضْدَادِها في مَحَلِّها اللائقِ بها.
وقولُ: (والضدَّ قُلْ) أي: واذْكُرْ أضدادَ هذه الصفاتِ الخمسةِ بِالْمُقَابَلَةِ المُرَتَّبَةِ كما قالَ: (مَهْمُوسُها فَحَثَّهُ شخصٌ سكتْ) فإنَّ الأشياءَ تَتَبَيَّنُ بأضدادِهَا، وبِتَعْدَادِ حروفِ بعضِ الأضدادِ تُعْرَفُ سائرِ الأضدادِ من جهةِ الأعدادِ، ولمَّا كانت الحروفُ المهموسةُ وأمثالُها قليلةً قابِلَةً لسرعةِ ضبطِها وحفظِها بيَّنها وترَك بيانَ ضدِّها لما يُعْرَفُ من مفهومِ ما عيَّنَها.
والحاصلُ أنَّ الحروفَ المهموسةَ مجتمعَةٌ في كلماتٍ مُرَكَّبَةٍ منها، عبَّرَ عنها بقولِه"فحثَّه شخصٌ سكتْ"وهي عشرةٌ: الفاءُ، والحاءُ المُهْمَلَةُ، والثاءُ المُثَلَّثَةُ، والهاءُ، والشينُ، والخاءُ المُعْجَمَتَانِ، والصادُ، والسينُ، والكافُ، والثاءُ المُثَنَّاةُ مِن فوقٍ، فالحثُّ بمعنى الحَضِّ، والشخصُ معْروفٌ، وسكتَ فعلٌ ماضٍ مِن السكوتِ، ثمَّ الهمسُ في اللغةِ: الخَفَاءُ، ومنه قولُه تعالى فلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا والمرادُ به حسُّ مشيِ الأقدامِ إلى المَحْشَرِ، أو حسُّ كَلَامِ أهلِه مِن هولِ ذلكَ المنظرِ، وممَّا يناسبُ المعنى الأَوَّلَ قولُ الشاعرِ:
وهنَّ يَمْشِينَ بنا هَمِيسًا إنْ يَصْدُق الطيرُ نَكُ لِمِيسَا.