الصفحة 22 من 105

وسُمِّيَت مهموسةً؛ لجريانِ النَّفَسِ معَها؛ لضعفِها ولضعفِ الاعتمادِ عليها عندَ خروجِها، وضدُّها المَجْهُورَةُ، والجهرُ في اللغةِ الصوتُ القويُّ الشديدُ، وسُمِّيَت مَجْهُورةً؛ لمنعِ النَّفَسِ وحَصْرِه أنْ يجريَ معَها لقوَّتِهَا وقوَّةِ الاعتمادِ عليها عندَ خروجِها، والتحقيقُ أنَّ الهواءَ الخارجَ مِن داخلِ الإنسانِ إنْ خرجَ بدفعِ الطبعِ يُسَمَّى نَفَسًا بفتحِ الفاءِ، وإنْ خرجَ بالإرادةِ وعَرَضَ له تَمَوُّجٌ بتصادمِ جسمينِ يُسَمَّى صوتًا، وإذا عرضَ للصوتِ كيفياتٌ مَخْصُوصَةٌ بأسبابٍ مَعْلُومَةٍ يُسَمَّى حُرُوفًا، وإذا عَرَض للصوتِ كيفياتٌ أُخَرُ عارِضَةٌ بسببِ الآلاتِ تُسمَّى تلكَ الكيفياتُ صفاتٍ، ثمَّ إنَّ النَّفَسَ الخارجَ الذي هو صِفَةُ حرفٍ إنْ تكيَّفَ كُلُّه بكيفيَّةِ الصوتِ حتَّى يحصُلَ صوتٌ قويٌّ كانَ الحرفُ مَجْهُورًا، وإنْ بَقِيَ بعضُه بلا صوتٍ يجري معَ الحرفِ كانَ الحرفُ مَهْمُوسًاَ، وأيضًا إذا انحصرَ صوتُ الحرفِ في مَخْرَجِه انحصارًا تامًّا فلا يجري جريانًا سهلًا يُسَمَّى شِدَّةً فإنك لو وقفتَ على قولِكَ: (الحجُّ) وجَدْتَ صوتَكَ راكِدًا مَحْصُورًا حتى لو رُمْتَ مدَّ صوتِكَ لم يمكنْكَ، وأمَّا إذا جرى الصوتُ جريانًا تامًّا ولا يَنْحَصِرُ أصلًا يُسَمَّى رِخْوَةً كما في (الطشِّ) فإنَّكَ إذا وَقَفْتَ عليها وَجَدْتَ صوتَ الشينِ جاريًا بِمَدَّةٍ إنْ شئتَ، وأمَّا إذا لم يتمَّ الانحصارُ ولا يجري يكونُ مُتَوَسِّطًا بينَ الشِّدَّةِ والرِّخْوَةِ كما في (الظلِّ) فإنَّكَ إذا وقفتَ عليها وجدتَ الصوتَ لا يجري مثلَ ذلكَ يعني مثلَ جريِ (الطشِّ) ولا ينحصرُ مثلَ انحصارِ (الحجِّ) بلْ يخرجُ على حدِّ اعتدالٍ بينهما، فإذا عرفتَ ذلكَ تبيَّنَ لكَ أيضًا معنى قولِه (شديدُها لفظُ أَجِدْ قَطٍ بَكَتْ) فأَجِدْ أَمْرٌ مِن الإجادةِ، وقَطٍ مُنَوَّنٌ مجرورٌ مُخَفَّفٌ بمعنى حَسْبُ، وبَكَتْ مُجَرَّدُ التبكيتِ، يقالُ: بَكَتَه إذا غَلَبَه بالحُجَّةِ، والمرادُ بها هنا أنَّ الحروفَ المُتَّصِفَةَ بالشَدَّةِ مجموعةٌ في الكلماتِ الثلاثةِ مُرَكَّبَةٌ منها، وهي الهمزةُ، والجيمُ، والدالُ المُهْمَلَةُ، والقافُ، والطاءُ المُهْمَلَةُ، والباءُ الموحَّدةُ، والكافُ، والتاءُ المُثَنَّاةُ مِن فوقٍ، فما عداها وما عدا الليِّنَةَ التي ذكرَها في قولِه (وبينَ رَخْوٍ والشديدِ) أي: وما بينَهما حروفٌ خمسةٌ يجمعُها تركيبٌ (لِنْ عُمَر) وكُلُّها حروفٌ رِخْوَةٌ، والشدَّةُ في اللغَةِ: القوةُ، وسُمِّيَت شديدةً؛ لمنعِها الصوتَ أنْ يجريَ معَها؛ لأنَّها قَوِيَتْ في مواضِعِها فلَزِمَتْها الشدَّةُ، والرِخْوَةُ: مُثَلَّثَةُ الراءِ، والكسرُ أشهرُ، والرِّخَاوَةُ في اللغةِ اللَّينُ، وسُمِّيَت بذلك لجريِ النفسِ والصوتِ معَها حتى لانَتَ عندَ النطقِ بها وضعفِ الاعتمادِ عليها، ثُمَّ الحروفُ التي بينَ الرخوةِ والشدَّةِ خمسةٌ يجمعُها قولكُ"لِنْ عُمَرْ"بِكَسْرِ اللامِ أمرٌ مِن لَانَ يَلِينُ وعُمَرُ منادى بحذفِ حرفِ النداءِ، وهذا التركيبُ أَوْلَى مِن جمعِ بعضِهم في (لم نرعْ) وممَّا وقعَ في الشاطبيَّةِ مِن قولِهِ (عُمَرنَلْ) معَ ما فيه من خلوصِ المبنيِّ وخلاصةِ المعنى كما لا يخفىَ، وهي اللامُ، والنونُ، والعينُ المُهْمَلَةُ، والميمُ، والراءُ، وإنَّما وُصِفَتْ بذلكَ؛ لأنَّ الرخوةَ إذا نُطِقَ بها في نحوِ: اجلسْ، وافرشْ، جرى معَها الصوتُ والنَّفَسُ عندَ سكونِهما، والشدِيدةُ إذا نُطِقَ بها في نحوِ: اضْرِبْ، واقْعُدْ، وانحبسَ الصوتُ والنَّفَسُ معَها ولم يَجْرِيا، والتي بينَ الرِّخوةِ والشديدةِ إذا نُطِقَ بها في نحوِ: أَنْعِِمْ واعْمَلْ لم يجرِ الصوتُ والنَّفَسُ معَها جريانَهما معَ الرخوةِ ولم ينحبسْ انحباسَهما معَ الشديدةِ، وهذا وقدْ قالَ ابنُ الحاجبِ في (الشافيةِ) : المجهورةُ ما ينحصرُ أي: ينقطعُ جريُ النفسِ معَ تَحَرُّكِهِ، والمهموسةُ بخلافِها، وخالفَ بعضُهم فجعلَ الضادَ والظاءَ والذالَ أى: المُعْجَمَاتِ، والزايَ والعينَ والغينَ والباءَ أي الموحَّدَةَ مِن المهموسةِ، والكافَ والتاءَ أي: المَنْقُوطَةَ بنقطتينِ من فوقٍ مِن المجهورةِ، ورأَى أنَّ الشدَّةََ تُؤَكِّدُ الجهرَ، والشديدةُ: ما ينحصرُ جريُ صوتِه عندَ إسكانِه في مَخْرَجِه فلا يجري، قالَ شارحُها النظاميُّ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت