فهرس الكتاب
والجهرُ انحصارُ النَّفَسِ معَ تَحَرُّكِه، فقد يجري النفَسُ ولا يجري الصوتُ كالكافِ والتاءِ المنقوطةِ بنقطتينِ مِن فوق, وقد يجري الصوتُ, ولا يجري النفسُ كالضادِ والغينِ المُعْجَمتينِ، فظهرَ الفرقُ بينهما, واللهُ أعلمُ.
(وسبعُ عُلْوٍ) بِضَمِّ العينِ ويُكْسَرُ (خُصَّ ضَغْطٍ قِظْ حَصَر) أي: حصرُ سبعِ عُلْوٍ حروفُ (خُصَّ ضَغْطٍ قِظْ) فَقِظْ أمرٌ مِن قاظَ بالمكانِ إذا أقامَ بهِ في الصيفِ، َ والخُصُّ بضمِّ الخاءِ المُعْجَمَةِ البيتُ مِن القَصَبِ، والضَّغْطُ الضيِّقُ، والمعْني: أقِمْ في وقتِ حرارةِ الصيفِ في خُصٍّ ذي ضغطٍ، أي: اقْنَعْ مِن الدنيا بمثلِ ذلكَ وما قاربَه واسْلُكْ طريقَ السلفِ الصالحِ وما وافقَه، فقد جاءَ عن أبي وائلٍ شَقِيقِ بنِ سلمةَ وهو مِن أكابرِ التابعينَ مِن أصحابِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه نحوٌ مِن ذلكَ، قالَ عبدُ الملكِ بنُ عُميرٍ: كانَ لأبي وائلٍ خُصٌّ مِن قصبٍ يكونُ فيه هو ودابَّتُه، فإذا غزا أَنْقَضَه، وإذا رجعَ بَنَاهُ. كذا ذَكَرَهُ أبو شامةَ رَحِمَهُ اللهُ، فقولُ الشارحِ: * (خُصَّ) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمفعولِ بمعنى اختصَّ"صُحِّفَ عَلَيْهِ، والمرادُ هنا أنَّ حروفَ الاستعلاءِ سبعةٌ انْحَصَرَتْ في مُرَكَّبَاتِ هذه الكلماتِ، وهي الخاءُ المُعْجَمةُ، والصادُ المُهْمَلَةُ، والضادُ، والغينُ المُعْجَمتانِ، والطاءُ، والقافُ، والظاءُ، وسُمِّيَت مُسْتَعْلِيَّةً؛ لاستعلاءِ اللسانِ عندَ النطقِ بها إلى الحنكِ الأعلى وما عداها مُسْتَفِلَةٌ لانْخِفَاضِ اللسانِ عن الحنكِ عندَ لفظِها. (وصادُ ضادٌ طاءُ ظاءٌ مُطْبَقَهْ) بفتحِ الباءِ ويجوزُ كسرُها، وَيَتَّزِنُ البيتُ بتنوينِ الثاني والرابعِ، وإنَّما لمْ يُرَكِّبْ هذه الحروفَ الأربعةَ المُطْبَقَةَ على قياسِ سائرِها؛ لعدمِ حصولِ مَعْنيً في تركيبِها ولثِقَلِها على اللسانِ بخلافِ غيرِها، والحاصلُ أنَّ حروفَ الإطباقِ أربعةٌ الصادُ والضادُ والطاءُ والظاءُ وهي مِن جملةِ الحروفِ المُسْتَعْلِيَةِ وأخصُّ منها، وسُمِّيَت بها لإطباقِ ما يُحاذِي اللسانَ مِن الحنكِ على اللسانِ عندَ خروجِها، وهو أبلغُ مِن الاستعلاءِ، وهو لغةً: الإلصاقُ، وضدُّهَا المُنْفَتِحَةُ، وسُمِّيَتْ بها؛ لانْفِتَاحِ ما بينَ اللسانِ والحَنَكِ وخروجِ الريحِ مِن بينِهما عندَ النطقِ بها، وهو لغةً: الافتراقُ، ومِن الغريبِ أنَّ قولَه تعالى: حَصَبُ جَهَنَّمَ قُرِيءَ بجميعِ حروفِ المُطْبَقَةِ، ولم يجتمعْ في كلمةٍ غيرِها."
(وَفَرَّ مِن لُبِّ الحروفِ المُذْلَقَهْ) أي: والحروفُ المُذْلَقَةُ مجموعُ حروفِ (فَرَّ مِن لُبِّ) وهو بِضَمِّ اللامِ وحذفِ التنوينِ للوزنِ، على أنَّ (مِن) حرفُ جرٍّ، واللبُّ الذي هو العقلُ بمعنى الفاعلِ، والمعنى: هربَ الجاهلُ مِن العاقلِ، ويمكنُ أنْ يكونَ المعنى فَرَّ مَنْ فَرَّ مِن الخلقِ مِن عَقْلٍ له به عَرَفَ الحقَّ، ففيه إيماءٌ إلى قولِه تعالى: فَفِرُّوا إلى اللهِ {وقولِه سبحانَه:} وَتَبَتَّلْ إليه تَبْتِيلًا . والحاصلُ أنَّ الفاءَ، والراءَ، والميمَ، والنونَ، واللامَ، والباءَ الموحَّدةَ، يقالُ لها (المُذْلَقَةُ) لخُرُوجِها مِن ذَلْقِ اللسانِ والشفَةِ، أي طرفيهما، والمرادُ أنَّ خروجَ بعضِها مِن ذلقِ اللسانِ، وهي الراءُ، واللامُ، والنونُ، وبعضِها مِن ذلقِ الشفةِ، وهي الباءُ، والفاءُ، والميمُ، وما عداها مُصْمَتَةٌ؛ لأنَّها مِن الصمتِ وهو المنعُ، قالَ الأخفشُ: لأنَّ مَن صمتَ منعَ نفسَه الكَلَامَ والمرادُ بها هنا أنَّهَا ممنوعةٌ مِن انفرادِها أصولًا في بناتِ الأربعةِ والخمسةِ، بمعنى أنَّ كُلَّ كلمةٍ على أربعةِ أحرفٍ أو خمسةٍ أصولًا لا بدَّ أنْ يكونَ فيها معَ الحروفِ المُصْمَتَةِ حرفٌ مِن حروفِ المُذْلَقَةِ، وإنَّما فعلُوا ذلكَ لخفَّتِها، فلذلكَ عادلُوا بها الثقيلةَ، ولأجلِ ما ذُكِرَ حَكَمُوا بأنَّ (عَسْجَدًا) اسمُ الذَّهبِ أعجميٌّ؛ لكونِه من بناتِ الأربعةِ وليسَ فيه حرفٌ مِن حروفِ المُذْلَقَةِ، وقالَ مكيٌّ في (الرعايةِ) : إنَّ الألفَ ليستْ من المُذْلَقَةِ ولا مِن المُصْمَتَةِ؛ لأنَّها هوائيَّةٌ لا مُسْتَقَرَّ لها في المَخْرَجِ، وبهذا تَمَّتْ أضدادُ الصفاتِ الخمسةِ المذكورةِ، فشرَعَ في ذكرِ صفاتٍ اخْتُصَّتْ ببعضِ الحروفِ دونَ بعضِها مِن غيرِ تحَقُّقِ وجودِ أضدادِها فقالَ: (صفيرُها صادٌ وزايٌ سينُ) أي: حروفُ الصفيرِ ثلاثةٌ: صادٌ مُهْمَلَةٌ، وزايٌ، وسينٌ مُهْمَلَةٌ، ولم يُرَكِّبْ لما سبقَ في المُطْبَقِ