فهرس الكتاب
يَمْسَسْكُمْ ولم يُمِلِ (طالبٌ) و (غانمٌ) وأُمِيلَ (طاردٌ) و (غارمٌ) وامتنعُوا مِن إمالةِ (راشدٍ) ولم يَمْتَنِعُوا مِن إمالةِ (ناشدٍ) وكُلُّ هذه الأحكامِ راجِعَةٌ في المنعِ والتسويغِ إلى التكريرِ الذي في الراءِ. (وللتَّفَشِّي الشينُ ضادًا اسْتَطِلْ) التفَشِّي: الانْبِثَاثُ والانتشارُ، والكَلَامُ مِن بابِ القلبِ أي صفةُ التفشِّيِ ثابتةٌ للشينِ، والمعنى: أنَّ الشينَ موصوفٌ بانتشارِ الصوتِ عندَ خروجِها حتى تَتَّصِلَ بحروفِ طَرَفِ اللسانِ، منها مَخْرَجُ الظاءِ المُشَالَةِ، والحالُ أنَّ مَخْرَجَها حافَةُ اللسانِ مِن مُحَاذَاةِ وسَطَهِ، وقولُه: (اسْتَطِلْ) أَمْرٌ مِن الاستطالةِ وهي لغةً: أبعدُ المسافتينِ، والمرادُ منها هنا: الامتدادُ مِن أَوَّلِ حافَةِ اللسانِ إلى آخرِها كما قالَه الجُعْبُرِيُّ، والمعنى صفةٌ بالاستطالةِ.
والحاصلُ أنَّ الضادَ حرفٌ مستطيلٌ، وإنَّما وُصِفَ بالاستطالةِ؛ لأنَّه يستطيلُ حتى يتَّصِلَ بمَخْرَجِ اللامِ، وللتحَيُّزِ بينَ المَخْرَجينِ باعتبارٍ واحدٍ صَعُبَ اللفظُ بها، وقد أَلْحَقَ المتقدِّمُونَ الثاءَ المُثَلَّثَةَ بالشينِ في التفشِّى، وقالُوا: إنها تَفَشَّتْ حتى اتَّصَلتْ بمَخْرَجِ الفاءِ؛ ولذا تُبْدَلُ منها، فيقالُ: جَدَفَ وجَدَثَ، قالَ ابنُ المصنِّفِ: وسبيلُ تسهيلِ النطقِ بها قطعُ النظرِ عن الحيِّزِ المُقَابِلِ وتَمْكِينُهَا في مَخْرَجِها وتحصيلُ صفاتِها المميِّزَةِ لها عن الظاءِ، قالَ الجُعْبُرِيُّ: والفرقُ بينَ المُسْتَطِيلِ والمَمْدُودِ أنَّ المُسْتَطِيلَ جرى في مَخْرَجِه والمَمْدُودَ جرى في نفسِه.
ثمَّ اعلمْ أنَّ خَمْسًا مِن الصفاتِ العْشرِ المُتَقَابِلَةِ قويَّةٌ، وخمسًا منها ضعيفةٌ، فالقويَّةُ: الجهرُ، والشدَّةُ، والاستعلاءُ، والإطباقُ، والإصماتُ. والضعيفةُ الخمسُ المقابلةُ، وهي: الهمسُ، والرخاوةُ، والاسْتِفالةُ، والانفتاحُ، والذَّلْقُ، وأمَّا السبعُ المفردةُ فكُلُّها قويَّةٌ إلا اللينَ، ثمَّ كُلُّ حرفٍ من التسعةِ والعشرينَ لابدَّ أنْ يَتَّصِفَ بخمسٍ من الصفاتِ العشْرةِ، فما جَمَعَ جميعَ الصفاتِ القويَّةِ، كالطاءِ المُهْمَلَةِ، فهو أقوى الحروفِ، وما جَمَعَ جيمعَ الصفاتِ الضعيفةِ، فهو أضعفُها، كالهاءِ، والفاءِ، وما اجتمعَ فيه الأمرانِ فهو مُتَوَسِّطٌ فيها، وضعْفُه وقوَّتُه بحسبِ ما تَضَمَّنَهُ منها.
(والأَخْذُ بالتجويدِ حَتْمٌ لازمُ) جمعَ بينهما تأكيدًا للوجوبِ، وجعلَ الشيخُ زكريَّا الثانيَ تفسيرًا للأولِ؛ بِناءً على أنَّهُ عطفُ بيانٍ وقَدَّرَ بعدَهما: (للقارئِ) ؛ لأنَّ الحُكْمَ ليسَ على إطلاقِه، والأظهرُ أنْ يقالَ: تقديرُه: وأَخْذُ القارئِ بتجويدِ القرآنِ وهو تحسينُ ألفاظِه بإخراجِ الحروفِ عن مَخَارِجِها وإعطاءِ حقوقِها مِن صفاتِها، وما يُتَرَتَّبُ على مفرداتِها ومُرَكَّبَاتِها، فرضٌ لازمٌ وحتمٌ دائمٌ. ثُمَّ هذا العِلْمُ لا خلافَ في أنَّهُ فرضُ كفايةٍ والعملُ به فرضُ عَيْنٍ في الجملةِ على صاحبِ كُلِّ قراءةٍ وروايةٍ، ولو كانت القِراءةُ سُنَّةً، وأمَّا دقائقُ التجويدِ على ما سيأتي بيانُه فإنَّما هو مِن مُسْتَحْسَنَاتِه، فالأظهرُ أنَّ المرادَ هنا بالحتمِ أيضًا الوجوبُ الاصطلاحيُّ المُشْتَمِلُ على بعضِ أفرادِه مِن الوجوبِ الشرعيِّ، لا الجمعُ بينَ الحقيقةِ والمجازِ، أو استعمالُ المَعْنيينِ بالاشتراكِ، كما ذهبَ إليه الشرَّاحُ مِن الشافعيَّةِ؛ فإنَّ اللحنَ على نوعينِ؛ جَلِيٌّ وخَفِيٌّ، فالجَلِيُّ: خطأٌ يَعْرِضُ للفظٍ ويُخِلُّ بالمعنى والإعرابِ، كرفعِ المجرورِ، ونصبِه، ونحوِهما، سواءٌ تغيَّرَ المعنى به أمْ لا، والخفيُّ: خطأٌ يُخِلُّ بالحرفِ كَتَرْكِ الإخفاءِ، والقلبِ، والإظهارِ والإدغامِ، والغُنَّةِ، وكترقيقِ المُفَخَّمِ، وعَكْسِه، ومَدِّ المقصورِ وقصرِ الممدودِ، وأمثالِ ذلكَ، ولا شَكَّ أنَّ هذا النوعَ ممَّا ليسَ بفرضِ عينٍ يترتَّبُ عليه العقابُ الشديدُ، وإنَّما فيه خوفُ العقابِ والتهديدُ. وأمَّا تخصيصُ الوجوبِ بقراءةِ الفاتحةِ كما ذكرَه بعضُ الشرَّاحِ فليسَ ممَّا يُنَاسِبُ المَرامَ في هذا المقامِ. (مَن لم يُجَوِّدِ القرآنَ آثِمٌ) أي مَن لم يُصَحِّحْ - كما في نسخةٍ صحيحةٍ - بأنْ يَقْرَأَه قراءةً مُخِلَّةً بالمعنى والإعرابِ - كما صرَّحَ به الشيخُ زكريَّا - خلافًا لما أخذَه بعضُ