فهرس الكتاب
الشرَّاحِ منهم ابنُ المصنِّفِ على وجهِ العمومِ الشاملِ للحنِ الخفيِّ؛ فإنَّه لايصحُّ كما لا يخفى، وأغربُ مِن هذا أنَّ الشارحَ المصريَّ ضَعَّفَ قولَ الشيخِ زكريَّا معَ أنَّهُ شيخُ الإسلامِ في مذهبِه، ثمَّ لفظُ (القرآنِ) مَنْقُولٌ في البيتِ على قراءةِ ابنِ كثيرٍ، كما قالَ الشاطبيُّ رحمَهُ اللهُ:
*ونَقْلُ قُرَانٍ والقُرْآنُ دَوَاؤُنَا*
فلا يُحْمَلُ على ضرورةِ الوزنِ، هذا و (مَن) موصولةٌ، وإنْ جُعِلَتْ شرطيَّةً فحذفُ الفاءِ مِن قبيلِ: مَن يعملِ الحسناتِ اللهُ يَشْكُرُها.
(لأنَّهُ به الإلهُ أَنْزَلَا) بألفِ الإطلاقِ، والضميرُ في (لأنَّهُ) للشأنِ، أو للقرآنِ، وفي (بهِ) للتجويدِ أي: لأنَّ اللهَ أنزلَ في القرآنِ الأمرَ بالتجويدِ حيثُ قالَ وَرَتِّل القرآنَ ترتيلًا {مُؤَكِّدًا بالمصدرِ مُبَالَغَةً في الأمرِ، ومِن المَعْلومِ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ مُجَوِّدًا كما أُنْزِلَ، لكنه خطابٌ له والمرادُ أُمَّتُه، ونُقِلَ عن عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ أنَّهُ قالَ: الترتيلُ هو تجويدُ الحروفِ ومَعْرِفَةُ الوقوفِ، لكن فيه أنَّ مَعْرِفَةَ الوقوفِ ليستْ من الواجباتِ؛ لِقَوْلِ الناظمِ: (وليسَ في القرآنِ مِن وقفٍ يجبْ) اللهمَّ إلا أنْ يقالَ: المرادُ بمَعْرفةِ الوقوفِ هو أنْ يَعْلَمَ كُلَّ كلمةٍ إذا وقفَ عليها كيفَ يَقِفُ عليها، فإنَّه ربَّمَا يَقِفُ عليها مَن ليسَ له وقوفٌ بها على وجهٍ يُخِلُّ بمعناها، وعن مجاهدٍ: أي: تَرَسَّلْ فيه ترسيلًا، والمعنى تَمَهَّلْ في المَبْنَى ليتبيَّنَ لكَ المعنى كما قالَ تعالى:} ولا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ {و} لَاتُحَرِّكْ بِه لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ {وعن الضحَّاكِ: انْبِذْهُ حرفًا حرفًا، وعن ابنِ عباسٍ: بيِّنْه تَبْيِينًا، وقالَ بعضُ العلماءِ: أي: تَلَبَّثْ وَتَثَبَّتْ في قراءتِه وافْصِل الحرفَ مِن الحرفِ الذي بعدَه ولا تَسْتَعْجِلْ فَتُدْخِل بعضَ الحروفِ في بعضٍ ا. هـ ولا يَخْفَى أنَّ الآيةَ بهذه المَعْاني لا دلالةَ فيها على المُدَّعَى، وكذا ما ذَكَرَهُ ابنُ المصنِّفِ أيضًا ومِن قولِه سبحانَه} وقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ على النَّاسِ على مُكْثٍ ونَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا {وفُسِّرَ المُكْثُ بالترتيلِ، وهو غيرُ مستقيمٍ بحسبِ التفسيرِ والتأويلِ، وكذا في قولِه تعالى:} ورَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا {أي: أنزلْنَاهُ بالترتيلِ، أي بالتجويدِ، فإنَّه أنزلهَ بأفصحِ اللغاتِ، بل معْناهُ بيَّنَّاهُ تَبْيِينًا وفصَّلْنَاهُ تفصيلًا كما دلَّ عليه صدرُ الآيةِ. وأمَّا ما رُوِيَ عنه صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ: (رُبَّ قارئٍ للقرآنِ والقرآنُ يَلْعَنُهُ) فإنَّهُ متناولٌ لِمَنْ يُخِلُّ بِمَبَانِيهِ أو معْانِيه أو بالعملِ بما فيه (وهكذا منه إلينا وُصِّلَا) بألفِ الإطلاقِ أي: وَوَصَلَ القرآنُ مِن الإلهِ إلينا على لسانِ جبريلَ عليه السلامُ، وبيانِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابهِ رَضِيَ اللهُ عنهم ثمَّ تَعَلُّم التابعينَ، ثمَّ أتباعِهم منهم، وهلُمَّ جرَّا إلى مشايخِنا رحمَهم اللهُ مُتَوَاتِرًا هكذا بوصفِ الترتيلِ المُشْتَمِلِ على التجويدِ والتحسينِ وتبيينِ مَخَارِجِ الحروفِ وصفاتِها وسائرِ مُتَعَلَّقَاتِها التي (هي) مُعْتَبَرَةٌ في لغةِ العربِ الذي نزلَ القرآنُ العظيمُ بلسانِهم، لقولِه تعالى:} وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ فينبغي أنْ يُرَاعى جميعُ قواعدِهم وجوبًا فيما يَتَغَيَّرُ به المَبْنَى ويَفْسُدُ المعنى، واستحبابًا فيما يَحْسُنُ به اللفظُ ويُسْتَحْسَنُ به النطقُ حالَ الأداءِ، وإنَّما قُلْنَا بالاستحبابِ في هذا النوعِ؛ لأنَّ اللحنَ الخفيَّ الذي لا يعرفُه إلا مَهَرَةُ القُرَّاءِ مِن تكريرِ الراآتِ، وتَطْنِينِ النوناتِ، وتغليظِ اللامَاتِ في غيرِ مَحَلِّها، وترقيقِ الراآتِ في غيرِ موضِعِه